شهدت الساعات الأخيرة مفارقة لافتة ترقى إلى أن تكون زلزالا في المشهد السياسي المصري، بعدما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي منشورًا رسميًا اعترف فيه علنًا بوقوع مخالفات في عدد من دوائر انتخابات مجلس النواب 2025، وطالب الهيئة الوطنية للانتخابات بمراجعة الأحداث والطعون بدقة، واتخاذ القرارات التي تكشف "إرادة الناخبين الحقيقية" حتى ولو وصل الأمر إلى الإلغاء الكامل أو الجزئي للمرحلة. هذا الاعتراف العلني لم يكن مجرد بيان عابر، بل نقطة انعطاف غير مسبوقة في خطاب الدولة تجاه العملية الانتخابية، لكونه جاء بعد شكاوى متواترة من مرشحين تحدثوا عن تضليل في الأرقام أو منع وكلائهم من الحصول على محاضر الفرز.
وجاءت أهمية الخطوة لأنها صدرت قبل ساعات فقط من إعلان النتائج النهائية للمرحلة الأولى، ولأنها حملت—وفقًا لما وصفه صحفيون مصريون—عبارات تُنذر بإجراءات قد تكون "خارج الصندوق"، إذ لم يسبق لرئيس الجمهورية، منذ تأسيس الهيئة الوطنية للانتخابات، أن طرح علنًا إمكانية إلغاء مرحلة انتخابية أو جزء منها. وعلى الفور، أخذت هذه الإشارات بُعدًا سياسيًا واسعًا، بعدما أعادت ترتيب النقاش العام حول مصداقية الاقتراع وحدود صلاحيات الهيئة واستقلالها.
اعتراف رسمي بالمخالفات
جاء منشور الرئيس السيسي على حساباته الرسمية بمنصات التواصل، ليحسم الجدل حول وجود تجاوزات، إذ قال صراحة إن "الأحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية" يجب أن تخضع لفحص الهيئة الوطنية للانتخابات وحدها، مشددًا على ضرورة التدقيق التام في الطعون والوقائع، وعلى التيقن من حصول كل مندوب مرشح على صورة رسمية من كشف حصر الأصوات من اللجان الفرعية. واعتبر الرئيس أن ذلك شرط لإخراج مجلس نواب يمثل فعليًا إرادة المصريين، مؤكدًا أن الهيئة "لا ينبغي أن تتردد" في اتخاذ القرار الصحيح إذا تعذر تحديد الإرادة الحقيقية للناخبين، سواء بالإلغاء الكامل للمرحلة الأولى أو الإلغاء الجزئي في عدد من الدوائر.
بسم الله الرحمن الرحيم
— Abdelfattah Elsisi (@AlsisiOfficial) November 17, 2025
وصلتني الأحداث التي وقعت في بعض الدوائر الإنتخابية التي جرت فيها منافسة بين المرشحين الفرديين، وهذه الأحداث تخضع في فحصها والفصل فيها للهيئة الوطنية للإنتخابات دون غيرها ، وهي هيئة مستقلة في أعمالها وفقا لقانون إنشائها .
وأطلب من الهيئة الموقرة التدقيق…
وتضمّن التوجيه الرئاسي أيضًا طلبًا صريحًا بإعلان ما تم اتخاذه من إجراءات بشأن مخالفات الدعاية الانتخابية، بهدف منع تكرار تلك الانتهاكات في ما تبقى من العملية. وفتح هذا الاعتراف الباب أمام تساؤلات حول حجم الوقائع التي وصلت للرئاسة، وما إذا كانت تلك التجاوزات قد أثرت على النتائج الأولية بصورة تتجاوز الأخطاء الفردية. كما اعتبر مراقبون أن هذا الخطاب يعكس قلقًا رسميًا من فقدان الثقة الشعبية في المسار الانتخابي، خصوصًا بعد تداول مقاطع لمرشحين يناشدون الرئيس التدخل لضبط العملية.
انقلاب الإعلام على خطابه
لم تتأخر وسائل الإعلام المصرية في الاستجابة لخطاب الرئيس، لتتبدل لهجتها خلال دقائق من خطاب الاحتفاء إلى خطاب الاعتراف بالمخالفات، رغم أن المنصات ذاتها كانت قبل ساعات تصف الانتخابات بأنها "ملحمة تاريخية" و"عرس ديمقراطي". وسرعان ما نشر موقع "المصري اليوم" تقريرًا عرض فيه أبرز التجاوزات التي رصدها الائتلاف المصري لمراقبة الانتخابات، متحدثًا عن استمرار بعض المرشحين في الدعاية أمام اللجان، في مخالفة واضحة للقانون.

وأشار التقرير إلى وقائع عنف شهدتها عدة محافظات، منها اعتداء أنصار المرشح إيهاب غطاطي على ناخبين رافضين للتصويت له في دائرة الهرم، ما أدى إلى إصابة مواطن ونقله إلى المستشفى. كما وثق التقرير اشتباكات بين سيدات منقبات مؤيدات للمرشح محمد عزت عرفات وأنصار حزب النور في البحيرة، وأحداث عنف في بني سويف بين مجموعات مؤيدة لمرشحين مختلفين. وامتدت الوقائع إلى سوهاج، حيث انتشر مجهولون بين الناخبين لحثهم على الامتناع عن التصويت، وفي الإسكندرية أُلقي القبض على مندوبين لمرشحين بتهم تتعلق بشراء الأصوات.
كما وثق التقرير محاولات للإخلال بالنزاهة، منها محاولة أحد أنصار حزب النور الإدلاء بصوته للمرة الثانية في العامرية، واستخدام وجبات غذائية لحشد الأصوات في الفيوم، ولجوء المرشح مجدي عفيفي إلى مجموعات منظمة في منطقة كرموز لفرض توجهات على الناخبين بالقوة. وانتهى التقرير بالتأكيد أن هذه التجاوزات تطرح أسئلة حول مدى الالتزام بالقانون وتأثيرها على مصداقية الانتخابات.
وقائع عنف وانتهاكات
لم يقتصر المشهد على المخالفات التنظيمية، بل شمل حوادث عنف واضحة داخل محيط اللجان، ما أظهر هشاشة السيطرة على سير العملية. وأشارت التقارير إلى أن الاعتداءات التي وُثقت في الهرم والبحيرة وبني سويف وسوهاج والإسكندرية لم تكن أحداثًا معزولة، بل جاءت ضمن مناخ انتخابي متوتر، رصدت فيه محاولات لتوجيه الناخبين أو منع بعضهم من الإدلاء بأصواتهم.
وتكشف هذه الوقائع أن الدعاية المخالفة لم تكن وحدها المشكلة، وإنما امتد الأمر إلى محاولات شراء أصوات، واستخدام الحشود المنظمة، وتوزيع الأموال، وتزوير محتمل في بيانات التصويت، وهي ممارسات تؤثر على سلامة الإرادة الشعبية. كما أن القبض على مندوبين لمرشحين داخل مقار لجان أو محيطها يعكس أن الأجهزة الأمنية نفسها اضطرت للتدخل في أكثر من موقع، مما زاد من حدة الأسئلة حول البيئة الانتخابية.
انسحابات لافتة للمرشحين
شهدت المرحلة الأولى أيضًا انسحاب عدد من المرشحين البارزين، منهم النائب أحمد إسماعيل، مرشح حزب مستقبل وطن عن دائرة السلام والنهضة، إضافة إلى رفعت شكيب ونشوى الديب وهيثم شوقي. ورغم إعلانهم الانسحاب رسميًا، فإن هذا الإعلان جاء بعد إغلاق باب التنازلات القانونية، ما جعل أسماءهم تبقى ضمن القوائم النهائية. وأثار توقيت تلك الانسحابات علامات استفهام حول الضغوط التي قد يكون المرشحون تعرضوا لها، أو حول إدراكهم لوجود تجاوزات لا يمكن معالجتها داخل العملية نفسها.
وترى بعض التحليلات أن هذه الانسحابات كانت مؤشرًا مبكرًا على وجود خلل في مسار المرحلة الأولى، خصوصًا أن بعض المنسحبين كانوا ذوي حضور جماهيري أو حاصلين على دعم حزبي، مما يجعل خوضهم للسباق حتى آخر لحظة أمرًا متوقعًا لولا وجود معوقات ميدانية أو تنظيمية.
تحول غير مسبوق
قدّم الصحفي المصري محمد بصل، مدير تحرير جريدة الشروق، تحليلًا اعتبر فيه أن خطاب الرئيس يمثل تحولًا غير مسبوق في تعاطيه مع الانتخابات، مشيرًا إلى أربع نقاط رئيسية: أولًا، دعوة الرئيس لضمان حصول كل مرشح على محاضر الفرز، وهي استجابة لشكاوى كثيرة من مرشحين تحدثوا عن حرمانهم من الحصول على تلك المستندات. ثانيًا، فتح الباب علنًا للمرة الأولى أمام احتمال إلغاء مرحلة انتخابية كاملة أو أجزاء منها، وهي—بحسب بصل—"أخطر كلمة تعبر عن دقة الموقف".
وثالثًا، التأكيد على ضرورة التدقيق في الطعون والأحداث بين المرشحين، وهو ما يعكس حساسية اللحظة السياسية. أما النقطة الرابعة فتمثلت في المطالبة باتخاذ إجراءات معلنة تجاه مخالفات الدعاية، بما يضمن الرقابة وعدم تكرار الانتهاكات. واعتبر بصل أن الخطاب قد يؤدي إلى قرارات "خارج الصندوق" من الهيئة الوطنية للانتخابات، كما قد يؤثر على أداء المرحلة الثانية ويضفي قدرًا من الجدية قد يرفع نسب المشاركة.
احتفاء إعلامي سابق
في المقابل، كانت وسائل الإعلام المصرية قبل هذا الاعتراف الرئاسي تحتفي بالانتخابات بوصفها "ملحمة تاريخية". فقد نشرت صحيفة "اليوم السابع" المملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات المصري، تقريرًا بعنوان: "المصريون يسطرون ملحمة تاريخية جديدة في انتخابات مجلس النواب"، تحدث عن مشاركة "غير مسبوقة" وإشادة حزبية بانضباط العملية ونجاحها الباهر.

وكانت منصة برلماني، التابعة بدورها لمؤسسة اليوم السابع، والمختصة بأخبار البرلمان بغرفتيه، قد نشرت سلسلة تقارير امتدحت فيها "اتساع المشاركة" و"الالتزام بالحياد"، مشيرة إلى رقابة دولية من 18 جنسية و55 متابعًا.

كما وصفت الانتخابات بأنها تجديد للثقة في الديمقراطية وصياغة لمستقبل الوطن، وأن البرلمان يشكل ركيزة النظام السياسي. وبينما كانت تلك التقارير تتغنى بسلاسة العملية وشفافيتها، جاء اعتراف الرئيس بالمخالفات ليقلب الخطاب رأسًا على عقب، ويضع الإعلام أمام مشهد مختلف تمامًا عما كان يسوقه قبل ساعات.

تحرك عاجل لهيئة الانتخابات
بعد ساعات من منشور الرئيس، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات عقد مؤتمر صحفي الساعة الرابعة عصرًا لعرض التفاصيل المتعلقة بالمرحلة الأولى، في خطوة وُصفت بأنها تنفيذ مباشر للتوجيهات الرئاسية. وتلا خطاب الهيئة كثيرًا من العبارات الواردة في منشور الرئيس، منها التشديد على التدقيق في الطعون، وضمان الشفافية، واتخاذ قرارات حاسمة عند تعذر الوصول لإرادة الناخبين الحقيقية.
وتأتي هذه الاستجابة السريعة في ظل تزايد الضغط العام، وتزامنها مع وصول شكاوى متنوعة للهيئة بشأن الدعاية، والعنف، وشراء الأصوات، وحرمان مندوبي المرشحين من محاضر الفرز. ويترقب الجميع الآن ما إذا كانت الهيئة ستتخذ قرارات تتوافق مع ما وصفه مراقبون بأنه "توجيه رئاسي مباشر لإعادة ضبط العملية الانتخابية".










