قال الكاتب رونين بيرغمان إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بات يتصرف كما لو أنه بات المقرّر الوحيد لمستقبل الإقليم؛ إذ يربط بين التطبيع مع السعودية، وإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، وبين قدرته الشخصية على تعطيل أي أفق سياسي يتعلق بإقامة دولة فلسطينية. ويرى بيرغمان أن نتنياهو، في سعيه وراء اختراق سياسي ضخم قبل نوفمبر المقبل، يفتح الباب أمام تنازلات غير مسبوقة تمسّ جوهر مفهوم «التفوق العسكري النوعي».
وأضاف بيرغمان، في مقال نُشر بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن نتنياهو يشجع فعليًا على منح السعودية حزمة تسليحية متقدمة تشمل مقاتلات F-35، وهو ما كان يعدّ سابقًا خطًا أحمر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. ويشير الكاتب إلى أن هذا التحول لا يعكس رؤية إستراتيجية حقيقية بقدر ما يعكس حسابات سياسية داخلية، تتعلق بضعف الائتلاف، واحتياج نتنياهو لإنجاز خارجي كبير يغطي الفشل المستمر في غزة منذ أكتوبر 2023.
السعودية والـF35
يرى بيرغمان أن السعوديين يدركون حالة التخبّط داخل تل أبيب، ولذلك يرفعون سقف مطالبهم الأمنية، مستفيدين من رغبة واشنطن في إتمام صفقة التطبيع بأي ثمن. ويشرح أن حصول الرياض على هذه المقاتلات لن يغيّر موازين القوى فقط، بل سيُدخل المنطقة في سباق تسلّح واسع، ويضع إسرائيل في موقع هشّ لا يشبه خطاب «القوة الإقليمية العظمى» الذي يسوّقه نتنياهو.
ويضيف الكاتب أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تشعر بأن نتنياهو يغامر برقبة «التفوق النوعي» التاريخي لإسرائيل مقابل مكاسب سياسية آنية، فيما تتعامل واشنطن مع الأمر كجزء من هندسة جديدة للشرق الأوسط، تتجاهل كليًا ما يجري في غزة والضفة، وتتغاضى عن المجازر التي وثقتها منظمات دولية منذ أكتوبر 2023.
ثمن التطبيع
يشير بيرغمان إلى أن الثمن السياسي للتطبيع مع السعودية أصبح واضحًا: دفن حل الدولتين عمليًا. إذ يقدّم نتنياهو لواشنطن وللرياض وعدًا مفاده أن إسرائيل لن تتجه لأي تسوية سياسية، وأن التطبيع لن يكون ثمنًا لعملية سياسية مع الفلسطينيين، بل بديلًا عنها. وبهذا — بحسب الكاتب — يعيد نتنياهو صياغة المعادلة التي حكمت المنطقة منذ اتفاقيات كامب ديفيد وحتى اتفاقات أوسلو.
ويلفت الكاتب إلى أن الفصل بين «السلام» وبين القضية الفلسطينية هو مناورة قديمة لنتنياهو، لكنها اليوم تحظى بدعم إدارة أمريكية منشغلة بتثبيت نفوذها في المنطقة عبر صفقات أمنية وتجارية، لا عبر مسار سياسي حقيقي. وهي معادلة يرى بيرغمان أنها ستؤدي إلى انفجار حتمي، لأن تغييب الفلسطينيين لا يلغي الواقع على الأرض ولا يوقف المواجهة المستمرة.
تفوق مهدد
يوضح بيرغمان أن النقاش في الأوساط الأمنية داخل إسرائيل يتجه الآن نحو سؤال جوهري: هل ما يزال التفوق العسكري النوعي مضمونًا؟ ويرى أن دخول السعودية نادي الـF35 يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول عربية أخرى، ويحوّل السلاح الأمريكي إلى ورقة ابتزاز سياسي مستمر، لا إلى عنصر استقرار. ويشير إلى أن هذا التحول يضع الجيش الإسرائيلي في مواجهة مخاطر غير محسوبة، خصوصًا مع استمرار حرب غزة وتوسع العمليات في الضفة.
ويؤكد الكاتب أن المؤسسة الأمنية تخشى أن تتحول «صفقة التطبيع» إلى اختراق استراتيجي لصالح السعودية والإمارات، على حساب إسرائيل نفسها، بينما يواصل نتنياهو تصوير الأمر كإنجاز تاريخي سيغيّر مستقبل المنطقة.
يخلص بيرغمان إلى أن نتنياهو يدفع المنطقة نحو صفقات أكبر من قدرة إسرائيل على استيعابها، وأن إقحام ملف F35 في معادلة التطبيع يكشف حجم التناقض بين مصالحه السياسية ومصالح الدولة. ويرى أن إسرائيل قد تستيقظ قريبًا على واقع جديد: جيش سعودي مزود بأحدث المقاتلات الأمريكية، وقضية فلسطينية بلا أفق سياسي، وقيادة إسرائيلية غارقة في حسابات البقاء، فيما تنزلق المنطقة إلى سباق تسلّح لا يملك أحد القدرة على ضبطه.










