21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

"هآرتس": انتهاء الحرب لن يُسعف إسرائيل في "لاهاي"

قالت الكاتبة حين معانيت إن إسرائيل تواجه أزمة قانونية غير مسبوقة في مكانتها الدولية، بعدما تحوّلت ساحات القضاء في لاهاي إلى ساحة ملاحقة مفتوحة لقياداتها السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت

بقلم: عمرو المصري
٢٢ نوفمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
7 مشاهدة
المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي

قالت الكاتبة حين معانيت إن إسرائيل تواجه أزمة قانونية غير مسبوقة في مكانتها الدولية، بعدما تحوّلت ساحات القضاء في لاهاي إلى ساحة ملاحقة مفتوحة لقياداتها السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، المتهمان بارتكاب جرائم حرب في غزة. وتوضح الكاتبة أن انتهاء الحرب أو عقد اتفاق وقف إطلاق النار لم يُنهيا المسار القضائي، ولم يخففا من وطأة الملاحقات التي باتت تهدد صورة إسرائيل ونخبها الحاكمة على الساحة العالمية.

وأضافت معانيت، في مقال نُشر بصحيفة "هآرتس"، أن أوامر الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية جاءت امتداداً لإجراءات بدأت قبل عام في محكمة العدل الدولية، حيث تتهم جنوب أفريقيا إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وعلى الرغم من أن توقيع وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي منح كثيرين في تل أبيب انطباعاً بأن تلك الملفات طُويت، فإن المسار القانوني ما يزال قائماً باعتراف الخبراء، الذين يؤكدون أن تلك الإجراءات قد تستمر لسنوات طويلة، وأن آثارها ستظل تطارد إسرائيل حتى بعد نهاية عهد ترامب.

لا نهاية قريبة

تشير الكاتبة إلى أن الإجماع بين الخبراء الذين تحدثت إليهم الصحيفة يؤكد أن الإجراءات القضائية ضد إسرائيل ومسؤوليها ما تزال فاعلة، ولا شيء يوحي بأنها في طريقها إلى الانحسار، رغم تغير الظروف السياسية. وتلفت إلى أن البروفيسور تمار هوستوفسكي برانديس شددت على أن الاعتقاد السائد داخل إسرائيل بأن القانون الدولي فقد وزنه في عهد ترامب هو اعتقاد مضلل، لأن انتهاء تلك المرحلة لن يطوي أثر الإجراءات، التي يمكن أن تبقى قائمة لسنوات لاحقة، حتى لو انتهت بعض الملفات رسمياً.

وفي السياق نفسه، توضح الكاتبة أن الأحداث الداخلية في إسرائيل — وفي مقدمتها قضية معتقل "سديه تيمان" وتداعيات إقالة المدعية العسكرية السابقة — تساهم في ترسيخ صورة سلبية للغاية عن المنظومة القضائية الإسرائيلية. وتبدو إسرائيل، وفق الخبراء، دولة لم تعد مؤسساتها القضائية قادرة على التحقيق في انتهاكات جيشها، وهو ما يُستخدم دولياً كذريعة لتبرير استمرار الملاحقة في لاهاي.

صورة قضائية متدهورة

يرى أستاذ القانون الدولي إلياف ليبليخ أن قضية المدعية العسكرية السابقة تُعد مثالاً صارخاً على الانهيار المؤسسي في نظام التحقيق داخل إسرائيل. ويشير إلى أن إقالتها ثم اعتقالها على خلفية واحدة من الحالات النادرة التي حاولت فيها التحقيق في تجاوزات الجنود، تُظهر للعالم أن إسرائيل لم تعد تمتلك منظومة مستقلة للتعامل مع جرائم الحرب، وأن الضغوط على النيابة العسكرية وصلت إلى مستوى يعوق أي محاولة لفحص الانتهاكات.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الكاتبة أن أحد أهم أسباب تورّط إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية يعود إلى تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، التي استخدمتها المحكمة باعتبارها مؤشرات على نية ارتكاب إبادة جماعية. وتفاقم الأمر نتيجة قرار المستشارة القانونية للحكومة بعدم فتح تحقيق في التحريض العلني ضد الفلسطينيين، ما أضعف موقف إسرائيل وأظهرها في نظر المحاكم كدولة لا تتعامل بجدية مع الجرائم المنسوبة إلى مسؤوليها.

كارثة تصريحات كاتس

يبرز المقال مثالاً جديداً على التصريحات الإسرائيلية ذات التكلفة الدولية الفادحة، من خلال تبريرات وزير الدفاع يسرائيل كاتس لاختياره المدعي العسكري العام الجديد. فقد وصفه بأنه رجل "صهيوني متدين ومن سكان المستوطنات"، وأنه سيدافع عن "حق القيادة السياسية" حتى لو خالف الأجهزة المهنية، وهو ما اعتبره الخبراء دليلاً إضافياً على غياب استقلالية القضاء العسكري.

وتقول البروفيسور هوستوفسكي برانديس إن تصريحات كاتس تعكس "ازدراءً لسيادة القانون"، وترسل رسالة خطيرة مفادها أن الجيش لن يحقق مع الجنود المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، الأمر الذي يعزز مبررات للتدخل الدولي. وأضاف ليبليخ أن الوزير يقدّم النيابة العسكرية كذراع سياسية لا كجهاز قضائي مهني، ما يعرّض الجنود والمسؤولين على السواء لمخاطر أكبر أمام المحاكم الدولية، لأن غياب التحقيق الداخلي يُعد شرطاً أساسياً لتدخل المحكمة الجنائية.

وقف النار ليس حلاً

توضح الكاتبة أن الإسرائيليين يعوّلون على اتفاق وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى لتحسين موقف بلدهم في لاهاي، لكن الخبراء يؤكدون أن الصورة أكثر تعقيداً مما يبدو. فإسرائيل ستدّعي أن الاتفاق ينفي نيتها الإبادة، بينما ستؤكد جنوب أفريقيا أن الاتفاق فُرض على إسرائيل تحت ضغط أمريكي شديد، وأنه لا يعكس تغييراً في نية الحكومة بل اضطراراً سياسياً.

وتشير الكاتبة إلى أن وقف القتال لن يؤثر مطلقاً على مسار التحقيقات في المحكمة الجنائية الدولية، لأن أوامر الاعتقال تتعلق بأفعال ارتُكبت بالفعل، وبالتالي فإن توقف العمليات لا يعفي المسؤولين من المحاسبة. وتضيف أن التطور الحقيقي لم يكن مرتبطاً بغزة بل بالضغوط القوية التي مارستها إدارة ترامب على المحكمة، وصولاً إلى فرض عقوبات على المدعين والقضاة المشاركين في الملفات المرتبطة بإسرائيل أو الجيش الأمريكي.

العقوبات الأمريكية

تستعرض الكاتبة سلسلة العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على رموز المحكمة منذ شباط الماضي، بدءاً بالمدعي العام كريم خان، وصولاً إلى القضاة الذين صادقوا على أوامر الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت. وتوضح أن العقوبات شملت تجميد الأصول ومنع الدخول إلى الولايات المتحدة، ومنع المشاركة في أي معاملات داخلها، في خطوة غير مسبوقة في العلاقات الدولية.

وتنقل عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصفه المحكمة بأنها تتجاوز صلاحياتها عبر التحقيق مع مواطنين أمريكيين أو حلفاء أمريكا. وتتابع الكاتبة سرد موجات العقوبات التي لحقت بقضاة آخرين في المحكمة، في إطار حملة أمريكية واسعة تهدف إلى الحد من قدرة المحكمة على ملاحقة إسرائيل أو الولايات المتحدة.

هزات داخل المحكمة

تخصص الكاتبة محوراً كاملاً لتطور آخر يهز المحكمة الجنائية الدولية من الداخل، وهو تورّط المدعي العام كريم خان في اتهامات بعنف جنسي. فالمحكمة علّقت مهامه مؤقتاً بانتظار انتهاء التحقيق، فيما ظهرت شهادات أخرى تتهمه بالتحرش، ما ألقى بظلال ثقيلة على هيبة المحكمة التي تعاني أصلاً من ضغوط واشنطن.

وتوضح الدكتورة تمار مجيدو أن القضية تؤثر على صورة المحكمة لكنها لا تنسف شرعيتها، ولا تمنع الادعاء العام من مواصلة التحقيقات المتعلقة بإسرائيل. وترى أن قدرة المحكمة على مواصلة مهامها تعتمد على موقف الدول الـ124 الأعضاء: هل ستطبّق أوامر الاعتقال؟ وهل ستوفر التمويل والغطاء القانوني والسياسي اللازمين؟

تهديدات جديدة

يشير ليبليخ إلى أن أوامر الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت لا تزال سارية، وأنهما ممنوعان من زيارة الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية. ويضيف أن الكشف الذي نشرته "الغارديان" حول تجسّس إسرائيل على كريم خان وعلى سلفه بتوجيه من نتنياهو ألحق ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل وزاد من تأكيد شكوك المجتمع الدولي تجاهها.

وفي الوقت نفسه، تبين الكاتبة أن الدول ليست بحاجة إلى عضوية المحكمة لاتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، إذ أصدرت تركيا مؤخراً أوامر اعتقال بحق 37 مسؤولاً إسرائيلياً، بينهم وزراء وقادة عسكريون، استناداً إلى الولاية القضائية العالمية. وتوضح الدكتورة مجيدو أن دولاً غير أعضاء تستطيع محاكمة المتهمين بجرائم دولية جسيمة، وأن هذا الباب يمكن أن يُفتح ضد مسؤولين إسرائيليين في أي لحظة.

خطر الأوامر السرية

يختتم ليبليخ بتحذير لافت، يؤكد فيه أن بعض الدول قد تكون أصدرت أوامر اعتقال سرّية بحق مسؤولين إسرائيليين، دون أن تعلم إسرائيل بوجودها. وترى الكاتبة أن هذا الاحتمال يكشف مدى عمق الأزمة التي تواجهها إسرائيل في الساحة القانونية الدولية، وأن إنهاء الحرب أو عقد صفقات سياسية لن يوقف الانحدار ما لم تُعِد إسرائيل النظر في سلوكها السياسي والعسكري والقضائي، لأن العالم بات يرى فيها دولة لا تُحاسب منتهكي القانون، ولا تقبل بخضوع قادتها للمساءلة، وهو ما يفتح الباب لملاحقات طويلة الأمد تتجاوز حدود الحرب نفسها.

الكلمات المفتاحية:#لاهاي

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

"هآرتس": انتهاء الحرب لن يُسعف إسرائيل في "لاهاي" - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°