19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد أمقران عبدلي يكتب: النضالات الإنحرافية للحركة من أجل تقرير المصير في بلاد القبائل

أواصل في الجزء الثاني من مساهمتي تسليط الضوء على تجربة من تجارب التطرف في الجزائر ،إعتمادا على تحليل الحركيات الإجتماعية و السياسية ،و الأجوبة التي كان النظام يقدمها لمطالب هذه الحركيات  ، فكما كتبت ف

بقلم: محمد أمقران عبدلي
٢٥ نوفمبر ٢٠٢٥
9 دقائق قراءة
9 مشاهدة
2511

2511

أواصل في الجزء الثاني من مساهمتي تسليط الضوء على تجربة من تجارب التطرف في الجزائر ،إعتمادا على تحليل الحركيات الإجتماعية و السياسية ،و الأجوبة التي كان النظام يقدمها لمطالب هذه الحركيات  ، فكما كتبت في الجزء الأول ، يعتبر التطرف ظاهرة معقدة ،تنطوي على مطالب مكبوتة و تعبيرا عن إحباط متعدد المستويات ، يهمنا في الحالة التي سأعرضها دراسة عوامل الإحباط المتراكم و المتشعب التي أدت إلى بروز حركة الماك .


فمن خلال رصد و تحليل المعلومات الشحيحة و تصريحات قائد الحركة السيد فرحات مهني أو فرحات أيت سعيد ، تتبين المرجعية التي وضعها المؤسسون و استمالت المتعاطفون و الموالون ، هي أحداث عرفتها منطقة القبائل ، المتميزة بديناميكية النضال و المواطنة ،السياسية ،الثقافية و الاجتماعية .معروف على هذه المنطقة معارضتها للنظام القائم في الجزائر ، فهي عرين المعارضة ، و لا تقتصر هنا المعارضة على ماتتداوله و سائل الاعلام ، المعارضة هنا ليست حزب جبهة القوى الاشتراكية و لا حزب التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية ، هنا الوعي المتقدم يدفع بالفرد لممارسة فضيلة المعارضة على أكثر من صعيد ، داخل العائلة ،في القرية ،تاجماعت ، المجالس المنتخبة ، المقاطعة ،في الجامعة و في كل فضاء تعبيري . 


لم يتمكن القمع الاستعماري الفرنسي من كبح جماح هذه المنطقة ،فلقد كانت في طليعة النضال الوطني و الحركة الوطنية ،مثلما لم يتمكن النظام الجزائري منذ السنوات الأولى من الاستقلال من التحكم كلية في المنطقة ، لا يكفي استعمال القمع و العنف لإسكات أهل المنطقة . هذا التميز جعل المنطقة في قلب النضال من أجل الديمقراطية و الحكامة الراشدة في الجزائر.


ميلاد حركة الماك ،لم تكن طبيعية ،قيصرية سياسيا و اجتماعيا ، ظهرت البوادر من خلال ما سمي الربيع الاسود في 2001م . هذا الحدث ،سوف يشكل مرجعية حسب مؤسسي هذه الحركة للانطلاق في المطالبة بالحكم الذاتي ثم ليتطور للمطالبة بتقرير المصير ، 


الربيع الاسود أو حركة المواطنة أو حركة العروش كلها تسميات لحدث مفصلي واحد في تاريخ الجزائر و منطقة القبائل . لقد أدي مقتل المراهق قرماح ماسينيسا في مقر الدرك الوطني و تعامل قاس مع مواطنين من طرف أفراد من الدرك ،إلى وضعية عنفية ، تراكمت و تعفنت بغياب الحوار و انتشار القمع كوسيلة رد و عزلة لمنطقة القبائل لشهور .أدى تساقط الضحايا بالعشرات من مدنيين في جزائر الاستقلال ،إلى احتقان جماهيري سوف يكون له انعكاس واضح على المشهد السياسي و الأمني و الاجتماعي في المنطقة . برزت حركة العروش ،ساعية لإحياء ممارسات في الحكامة التقليدية للمنطقة ،أمام تراجع للأحزاب التقليدية ثم غيابها على مسرح الأحداث.


نهاية القمع و أعمال العنف و سقوط الضحايا من قتلى و مصابين و حرق و تخريب لمنشآت كان بداية لنضال من نوع آخر ، لقد تولد الإحباط و اليأس و الشعور بالقهر و التهميش ، أضف لعشريات من تراجع التنمية و قلة المشاريع في المنطقة ، لم تنفع الهجرة الداخلية و لا الخارجية لأبناء المنطقة طلبا لسعة في الرزق و آفاق معيشية أرحب من تغطية غابة الكبت و الإحباط المتزايد و غياب قنوات الحوار . 
 


الربيع الاسود كان مرجعية مركزية في التأسيس لحركة الماك ، استغلال هذا الحدث حسب التوجه الفكري و الاستراتيجي للمؤسسين كان بحاجة إلى تطعيم بشروحات تعتمد على العاطفة الشعبية ، التاريخ المغلوط و القراءة الشعبوية للأحداث . 
اعتبر الربيع الاسود في الفكر الماكي ، كرفض و قهر من النظام الجزائري للمنطقة و للعنصر القبائلي ، فالتنكيل و الاضطهاد كافيان عند الماك ،لفهم أن النظام لا يريد هذا العنصر في الجزائر و بالتالي آن الأوان لحمايته و المطالبة بحماية دولية لم لا لهذه المنطقة .


ترك غياب الحوار الهاديء و قلة المواجهة بالحجة إلى التمادي في التأسيس لمغالطات سوف تؤسس لمسار الحركة التعبوي في أوساط الشباب خاصة .
 

*العنصر القبائلي كمحرك للتغيير* :


يقول السيد فرحات مهني ،ومن بعده اتباعه ، أن العنصر القبائلي متميز في الجزائر من حيث نشأته و تكوينه و تفتحه على العالم و حتى من حيث بنيته المورفلوجية ،فهو أشقر و أحمر ،ذو ملامح متوسطية أوربية ، مختلف عن سكان الجزائر الآخرين و ليس عربيا بتاتا ، حيثما حل هذا العنصر ،إلا و خلق التغيير ، فهو مختلف و مبدع ،لكن الآخرون لا يفهمونه،لا يقدرونه ، بل يتغامزون عليه و ينعتونه بصفات ، فأينما حل يشيرون إليه بعبارة ،" ذاك القبائلي " .هذا الأمر كاف جدا حسب السيد مهني و اتباعه للمضي بهذا التميز نحو الانفصال و الاستقلال . الحقيقة أن سكان منطقة القبائل و الأصح منطقة الزواوة و هي التسمية الأصلية للمنطقة ،فتسمية منطقة القبائل شجعتها فرنسا في رحلتها الاستدمارية للجزائر . سكان المنطقة معروفون بهجراتهم الداخلية طلبا لسعة الرزق و العيش ،فهم متواجدون في كل ولايات الجزائر ، سعيهم حثيث متواصل لتوفير أسباب العيش ، والتركيز على التعليم الجيد للأبناء و مساعدتهم على الهجرة الخارجية ، لمواصلة التعليم و مساعدة العائلات في منطقة الزواوة الجبلية ،الوعرة و المتخلفة تنمويا . القبائلي أو الزواوي متواجد في كل المناصب و مفاصل الدولة ،كيف لا و المنطقة ساهمت مساهمة جبارة في الانعتاق من الاستدمار الفرنسي ففي الجبال و المدن و الدواوير و المداشر و على طاولة المفاوضات من أجل الاستقلال ، أبلى أبناءها البلاء الحسن في حماية الوطن و تحريره خاصة .


*استغلال تاريخ المنطقة*


للتأسيس للتطرف يجب كذلك ،إعادة قراءة التاريخ ،و لم لا توظيفه بما يخدم الحركة و المسعى . و كقائد ملهم داخل حركته ووسط اتباعه ، يولي السيد فرحات مهني أهمية لتحليل تاريخ المنطقة بما يخدم أهداف حركته و مسار فكره التطرفي ، يقول السيد مهني بأن منطقة القبائل عرفت أنماط حكامة متعددة ، نابعة من تميز المنطقة ،فلقد كانت عصية على المستعمرين و عرفت المنطقة كذلك ميلاد الجمهورية قبل أن تلحقها الجزائر بها ، فالجزائر استعمرت منطقة القبائل و ألحقتها بالمشروع الوطني الجزائري . و حسبه دائما عرفت المنطقة ميلاد ممالك لعل من أهمها مملكة كوكو و مملكة آث عباس و هذا دليل على استقلال المنطقة عن الجزائر . 


يمثل استغلال التاريخ و قراءته من هذه الزاوية بما يخدم الفكر التطرفي ، لبنة أخرى من لبنات المسعى التبريري لميلاد الحركة ، و لغاية وضع هذه اللبنة ، ساهمت النخبة في الجزائر بخذلانها و جبنها في غياب الرد الكافي و الوافي على مثل هذه المغالطات . فالممالك التي ذكرها السيد فرحات مهني ماهي إلا خزان للحركة الوطنية في الجزائر المستقلة ، فالتحليل الاجتماعي و القبلي لعصب الحكم في الجزائر يبين إلتحاق القبائل التي تشكل نواة هذه الممالك بالمشروع الوطني الجزائري من أجل الاستقلال و بناء الجمهورية .


لم تكن هنالك جمهورية قبائلية ، فالجمهورية نظام حكم غربي الميلاد و النسق و المنهج ، حقيقة ما عرفته المنطقة من نظام حكم متميز هو ما يعرف بتاجماعت و هو نظام حكم و تسيير محلي له ما له و عليه ما عليه .


*التميز القبائلي و الاكذوبة الأمازيغية *


يذهب السيد فرحات و اتباعه في بناء الفكر التطرفي لإلغاء سنوات النضال الريادي في الجزائر للاعتراف بالأمازيغية ، و بما أن البعد الأمازيغي جامع للجزائريين خاصة و سكان شمال افريقيا عامة ،فهذا من شأنه إلغاء التميز القبائلي ، ورغم أنه كان مناضلا و أحد رواد الحركة الثقافية البربرية و مؤسس لحزب التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية و فنان ملتزم بالقضية الأمازيغية إلا أنه يتناقض مرة أخرى مع مساره لاعتبارات الفكر التطرفي . ينكر السيد فرحات الأمازيغية كبعد هوياتي و لغة للجزائريين و يركز على التميز اللغوي للقبائل فهنالك لغة و فكر و تاريخ قبائلي متميز كذلك ، هنا ينهل السيد فرحات من الشعبوية و الاستمالة العاطفية لجماهير المحبطين ، لبناء فضاء نفسي،عاطفي ،تضامني لهم بما يسمح للحركة الانتشار الواسع ،دائما في غياب حوار وطني جريء ،ملتزم و هاديء و صمت مؤسساتي و جبن و خذلان نخبوي . فرغم مرور سنوات على بروز الحركة ، لم تهتم الجامعة و مخابر البحث بها ، و استمرت وسائل الإعلام في التنديد فقط بالحركة دون نشر الوعي و الرد البناء بالحجة و الدليل القاطع على أكاذيب الحركة ، التي أصبحت أكاذيب حقيقية يستلهم منها الشباب المحبط و حركة الماك قوته و تواجده ،لتتوجه الحركة و في إطار مرحلي للتوسع و الانتشار و التشبيك و بناء التحالفات و التقرب من مراكز القرار في الغرب و في كل مكان يوفر له منبرا لإشاعة المغالطة في غياب الرد القوي و الصريح ...يتبع

محمد أمقران عبدلي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال