في التاسع عشر من يونيو عام 1971، بزغ فجرٌ جديد في مخيم جباليا، حين أطلّ إلى الدنيا عماد حسن إبراهيم عقل، ابن المؤذّن الذي كان صوته يملأ فضاء مسجد الشهداء. لم يكن الاسم صدفة، بل كان تيمّناً بالقائد المسلم عماد الدين زنكي، وكأن القدر أراد أن يكتب على هذا الطفل أن يحمل عبء الرجال ويخطّ سطور البطولة.
شبّ عماد بين الأزقة الضيقة، لكنه حمل قلباً واسعاً كالأفق، وسرعان ما تحوّل إلى فارسٍ يطارد الخيانة والعمالة، يوجّه خنجره إلى صدور الساقطين، ويُشعل نار المقاومة في وجه الاحتلال. كان يحمل روحه على كفه، وبندقيته على كتفه، ويقسم أن لا يترك غزة ولا ينسحب من الميدان. قالها بصلابة:
"من الآن فصاعداً فأنا مطارد للاحتلال، وعليه سأذيقهم العلقم بإذن الله."
ظلّ وفياً لقسمه، قسم المؤمنين بأن الجهاد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، حتى حين عرض عليه الخروج أجاب بكلماته الخالدة: سأبقى في فلسطين حتى أنال الشهادة وأدخل الجنة، هذا جهاد نصر أو استشهاد."
ومع كل عملية نوعية، ارتفع اسمه في سماء المقاومة، حتى أطلقت عليه سلطات الاحتلال أسماءً مرعبة: الحرباء، الشبح، العقرب. صار المطارد رقم واحد، أسطورةً حيّة، يزرع الرعب في صفوف أعدائه ويكتب بدمه ملحمةً لا تُنسى.
ومع نجاح البطل ومجموعاته في اصطياد عدد كبير من جنود الإحتلال دخلت عمليات صيد (الحرباء) أو (الشبح) أو، (العقرب) وهي التسميات التي أطلقتها سلطات الاحتلال العسكرية على شهيدنا الغالي وتم تشكيل قوة خاصة لمطاردة عماد بالذات ووضع ضابط الشاباك المدعو (أبو ياسين) لمتابعة المطارد (رقم واحد) اسطورة الجهاد والمقاومة الذي نفذ عمليات نوعية يمكن إيجاز أهمها بالتالي:
|
م |
التاريخ |
الموقع |
خسائر العدو البشرية (حسب مصادر العدو) |
|
|
05/04/1992 |
الشيخ عجلين - غزة |
تحطيم سيارة مخابرات وإصابة ركابها |
|
|
21/10/1992 |
منطقة الحاووز - الخليل |
أربعة جرحى بينهم ضابطة |
|
|
25/10/1992 |
موقع عسكري - الخليل |
مقتل جندي وجرح آخر |
|
|
25/11/1992 |
الشيخ رضوان - غزة |
مقتل جندي |
|
|
07/12/1992 |
طريق الشجاعية بيت لاهيا |
ثلاثة قتلى بينهم ضابط |
|
|
12/02/1993 |
مفترق الشجاعية - غزة |
جريحان |
|
|
12/03/1993 |
الطريق الشرقي للشجاعية-غزة |
أربعة جرحى |
|
|
20/03/1993 |
مقبرة الشهداء - جباليا |
ثلاثة قتلى وأربعة جرحى |
|
|
28/05/1993 |
غرب الشيخ رضوان - غزة |
سبع إصابات |
|
|
30/05/1993 |
حي قرقش (المشاهرة) -غزة |
غير محدد |
|
|
12/09/1993 |
حي الزيتون - غزة |
ثلاثة قتلى |
|
|
19/10/1993 |
بيت لاهيا |
جريحان |
وفي الرابع والعشرين من نوفمبر 1993، يومٌ يوازي في خلوده ذكرى استشهاد الشيخ عز الدين القسام، لبّى عماد نداء السماء. كان صائماً، تناول إفطاره، ثم نهض وهو يقول: حضر الآن موعد استشهادي."
صعد إلى سطح بيت آل فرحات، صلّى ركعتين، ثم واجه قدره بشجاعة، حتى ارتقى شهيداً، جسده تناثر أشلاءً، لكن روحه بقيت نوراً يضيء دروب المقاومة.
فيا يوم الرابع والعشرين من نوفمبر، يا يوم الملحمة الخالدة، أطلقها تدوي على رؤوس الأشهاد، نعم الشهيد عماد، ونعم الحي عند ربه، تشهد له كل فلسطين، تكبر له مآذن القدس، وتهلل له مساجد غزة، فهنيئاً لك يا عماد القسام، هنيئاً لك وسام الشهادة الخالد، فقد سطرت الغد المشرق، ورويت أرضاً متعطشة لدماء الطاهرين لتنبت العزة والكرامة، تقف معلماً لكل المجاهدين، كيف يطرقون الجنة بجماجم اليهود، اليوم عجز عمالقة الكلام أمام عمالقة الجهاد، وتقدم الدم الزكي يخطب فينا، ليحرك فينا الهمم ويبعث فينا العزائم.
ذلك اليوم تحوّل إلى عرس جماهيري، حيث خرجت جباليا وكل غزة، أكثر من خمسة عشر ألفاً يهتفون باسمه، لتصبح جنازته وحدةً وطنية نادرة، اجتمعت فيها الفصائل على كلمة واحدة: أن دماء عماد عقل ليست نهاية، بل بداية طريق طويل نحو الحرية.
وقال رابين في ذلك " إن مقتل عماد عقل يمثل إنجازاً مؤثراً وهاماً في الحرب ضد الإرهاب "وأعرب باراك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حينه بالقول " كان أخطر إرهابي يعمل في قطاع غزة ", وعقب أحد قادة الشاباك " إن مطاردة عماد عقل كانت من العمليات الصعبة والمعقدة والمحبطة في تاريخ عمليات المطاردة التي قام بها جهاز الأمن الإسرائيلي - الشاباك - منذ تأسيسه ", وقال أحد ضباط القيادة في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي" كان من أخطر الإرهابيين والمطلوبين الذين عملوا في قطاع غزة .. رجل ميداني بارع لم يخش شيئاً، كان من الخطورة بمكان الاصطدام به ليلاً "
نم قرير العين يا أبا حسين، فقد تركت خلفك جيشاً من الأبطال، كتائب القسام التي حملت الراية من بعدك، لتثبت أن الأسطورة لا تموت، وأنك ستظل معلماً بارزاً في طريق التحرير، وسيداً من سادة المقاومة في ساعة العسرة.
لقد غادرنا أبا حسين في وقت غربة القضية وغربة المقاومة بعد أن أرسى رغم حداثة سنه معالم طريق المقاومة وغدا معلماً رئيساً في طريق التحرير وفي ملحمة الشهادة والعطاء.
نم قرير العين أبا حسين وها هم كتائب القسام جيش من نماذج بطولة لا تقل عن الأسطورة، وغدا الأغراب هم الذين لا ينتمون إليك يا سيد المقاومة في ساعة العسرة.









