فجّر طلب العفو الذي تقدّم به رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ موجة ارتدادية واسعة داخل إسرائيل، بعدما حاول إغلاق ملف محاكمته الممتدة منذ ست سنوات على خلفية تهم الاحتيال والرشوة وخيانة الأمانة. ورغم إنكار نتنياهو لأي مسؤولية جنائية، وظهوره مصوَّرًا ليؤكد أنّ المحاكمة تمزق الداخل الإسرائيلي وأن إنهاءها سيجلب "المصالحة"، إلا أنّ المشهد الداخلي كشف نقيضًا كاملًا؛ انقسامًا صاخبًا بين داعمين يرون فيه ضحية لمنظومة قضائية مسيّسة، ومعارضين يعتبرون خطوته محاولة للهروب من العدالة دون ثمن سياسي.
تحوّل الطلب، المدعوم بوثائق من 111 صفحة قدّمها محاميه أمنون حدّاد، إلى محطة جديدة في مسار محاكمة بدأت عام 2020 ووُصفت بأنها الأطول والأكثر حساسية في تاريخ الدولة، ورافقتها أزمات حكومية، انتخابات متكررة، احتجاجات واسعة، وحروب متلاحقة. لكن المفارقة أنّ نتنياهو، رغم مخاطره القانونية، لم يلوّح بتقديم الاستقالة، بل ربط العفو بقدرته على "خدمة إسرائيل بفاعلية أكبر"، وهو ما أشعل ردودًا غاضبة داخل المؤسسة السياسية.
معسكر يرفض الصفقة
برزت المعارضة الإسرائيلية بوصفها الطرف الأكثر اشتعالًا، معتبرة أنّ طلب العفو يتناقض مع مبدأ المحاسبة. فقد ردّ يائير لابيد، زعيم المعارضة، بعبارة قاطعة: "لا يمكنك العفو عن نتنياهو قبل إقراره بالذنب وانسحابه من الحياة السياسية". وهو الموقف ذاته تقريبًا الذي عبّر عنه يائير غولان رئيس حزب الديمقراطيين، عندما قال إنّ "المذنبين فقط هم من يطلبون العفو"، مطالبًا أي صفقة محتملة بأن ترتبط باعتراف صريح وتنحي كامل.
وزاد موشيه يعالون، وزير الحرب الأسبق، حدّة الخطاب بتشبيه لاذع وصف فيه طلب نتنياهو بأنه "مثل من قتل والديه ثم طلب الصفح لأنه يتيم". ورأى يعالون أنّ ما يجري محاولة تهرّب منظمة من القانون، داعيًا إلى "اقتلاع الحكومة" التي وصفها بأنها وُلدت لحماية رئيسها لا لإدارة دولة.
وفي موقف مشابه، اعتبر بيني غانتس أنّ نتنياهو يستخدم العفو كأداة تشتيت سياسي، قائلاً إن الخطوة تهدف لإخفاء النقاش حول قانون الإعفاء من التجنيد، معتبرًا الطلب مناورة، لا تسوية وطنية.
تأييد مشروط أو صريح من اليمين
على الجهة المقابلة، دافع وزراء من اليمين الحاكم عن نتنياهو، معتبرين أنّ القضاء تعمّد استهدافه. فقد دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الرئيس إلى قبول العفو، مدعيًا أنّ نتنياهو "تعرض للاضطهاد لسنوات من قبل نظام قضائي فاسد". وهو موقف يتناغم مع التيار الذي يرى أنّ محاكمة رئيس الوزراء جاءت في سياق صراع على هوية إسرائيل بين اليمين المتشدد ومؤسسات الدولة العميقة.
كما دعم وزير الخارجية جدعون ساعر الطلب، قائلاً إن "مصلحة الدولة هي إنهاء محاكمة نتنياهو"، في إشارة إلى أن استمرار الملف يعرقل إدارة الحكم ويعمّق الشلل السياسي. بينما قدّم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت موقفًا وسطًا، معلنًا استعداده لدعم اتفاق ينهي المحاكمة مقابل اعتزال نتنياهو الحياة السياسية، وهو طرح يعكس اتجاهًا يحاول الجمع بين إغلاق النزاع القانوني وإنهاء الهيمنة السياسية الطويلة لزعيم الليكود.
معركة عفو أم معركة نفوذ؟
تكشف ردود الأفعال أنّ جوهر الصراع ليس قانونيًا فقط، بل سياسيًا وجوديًا داخل إسرائيل. فالمعارضة ترى أنّ العفو دون اعتراف يعني تكريس مبدأ الإفلات من العقاب لرجل يحكم منذ أربعة عقود ويتعامل مع الدولة كملكية شخصية. أما اليمين فيقارب القضية من زاوية أخرى: إغلاق المحاكمة ليس حماية لنتنياهو فقط، بل تثبيت لانتصار سياسي على الجهاز القضائي الذي اعتبروه ساحة نفوذ معادية.
وبين الاتجاهين، يظهر سؤال جوهري يتجاوز اللحظة: هل يتحول طلب العفو إلى بداية نهاية عهد نتنياهو، أم إلى انتصار جديد يدفن محاكمته ويعيده أكثر قوة؟ الإجابة، كما يبدو من عاصفة الردود، لن تُحسم في القصر الرئاسي فقط، بل في الشارع الذي انقسم منذ سنوات بين من يعتبره حامي إسرائيل ومن يراه أكبر أزماتها.







