قال الباحث الإسرائيلي إيال زيسر إن إسرائيل، رغم ما حققته من إنجازات عسكرية واسعة خلال العامين الماضيين، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف تماماً، إذ تتبخر تلك الإنجازات على الساحة السياسية، وتتحول النجاحات الميدانية إلى مكاسب مؤقتة لا تُترجَم إلى تغيير استراتيجي حقيقي. ويرى أن الذكرى السنوية الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار مع "حزب الله" تُظهر بوضوح حجم الفجوة بين ما تحققه إسرائيل في ميدان القتال وما تعجز عن تثبيته عبر رؤية سياسية واضحة.
وإيال زيسر هو محاضر وباحث ومؤرخ اسرائيلي. يُدرّس في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب. ويشغل منصب رئيس مركز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط وافريقيا التابع للجامعة ذاتها.
وأضاف الكاتب، في مقال نُشر بصحيفة "إسرائيل اليوم"، أن الحرب في الشمال منحت الجيش الإسرائيلي فرصة لإعادة توازنه وإلحاق ضرر بالغ بقيادة "حزب الله" وقدراته، لكن مرور عام كامل يكشف أن التنظيم اللبناني ما زال صامدًا، وأن لبنان لم يتغير فيه شيء تقريبًا، وأن الحزب يحتفظ بمكانته ونفوذه بين جمهوره ويستعيد قوته بوتيرة ثابتة. ويؤكد أن إسرائيل ارتكبت "الخطيئة الأصلية" حين وقّعت اتفاقًا لم يكن لدى أحد أي وهم بأن الحزب سيلتزم به، في ظل عجز الدولة اللبنانية عن فرض أي قيود عليه.
اتفاق مشبوه
يشدد الكاتب على أن قبول إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار مع "حزب الله" كان قرارًا مضللًا منذ اللحظة الأولى، إذ لم تكن لدى الطرف اللبناني أي نية لاحترام بنوده، كما لم تكن الحكومة اللبنانية تمتلك القدرة أو الإرادة لفرض الاتفاق على التنظيم الشيعي المسلح. ويوضح أن غياب الرؤية السياسية والارتهان لتقديرات خاطئة جعل إسرائيل تدخل الاتفاق من موقع الضعف وليس القوة، الأمر الذي سمح للحزب بالعمل على إعادة بناء منظومته العسكرية من دون أي التزام فعلي بالقيود المفترضة عليه.
ويشير إلى أن مرور الوقت كشف حجم العوار في هذا القرار، فالعمليات المحدودة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ضمن "المعركة بين الحروب" لا تكفي لمنع إعادة تأهيل "حزب الله"، وأن الاستثناء الوحيد كان عملية تصفية "هيثم الطبطبائي" في قلب بيروت، التي تبدو أقرب إلى حادثة منفردة لا تعكس تحولًا في السياسة الإسرائيلية، ولا تعني أن إسرائيل قررت رفع مستوى المواجهة أو تغيير قواعد اللعبة.
غزة بلا رؤية
ينتقل الكاتب إلى قطاع غزة، ليؤكد أن إسرائيل، بعد عامين من الحرب القاسية وما حققته فيها من نتائج مؤثرة، تجد نفسها مرة أخرى تفقد ثمار المعركة بسبب غياب الرؤية السياسية. فالولايات المتحدة، كما يكتب زيسر، فرضت وقف إطلاق نار يسمح لـ"حماس" بإعادة بناء قوتها، في ظل قناعة راسخة بأن واشنطن لن تسمح باستئناف القتال لأن ذلك سيُقوّض الإنجاز السياسي الوحيد الذي تفاخر به إدارة ترامب.
ويوضح أن أي تصور يعتمد على مبادرة عربية أو إسلامية لنزع سلاح "حماس" هو تصور وهمي، وأن إسرائيل – بترددها السياسي – سلمت الساحة الفلسطينية إلى ترتيبات تُبقي الحركة في موقع السلطة، وتمنحها الوقت والمساحة لاستعادة قدراتها، بما ينسف الإنجازات العسكرية التي تحققت طوال الحرب.
ظلّ إيران
أما إيران، يقول الكاتب، فقد تعرضت لضربات شديدة خلال الفترة الماضية، لكن الأمر لم يستغرق أكثر من مئة يوم حتى عادت التهديدات المتبادلة والتصريحات الإيرانية التي تتحدث عن الانتقام واستئناف المسار نحو السلاح النووي. ويشير إلى أن إسرائيل ورغم الضربات المؤلمة التي وجهتها لطهران، لم تنجح في فرض واقع استراتيجي جديد أو تثبيت نتائج المعركة، إذ سرعان ما عادت إيران إلى الواجهة كقوة إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها وتطوير برنامجها النووي.
ويضيف أن هذا الواقع يعكس خللًا جوهريًا في مقاربة إسرائيل، التي تركز على الإنجاز العسكري دون توظيفه في مسار سياسي واضح، ما يسمح لإيران – مثل "حماس" و"حزب الله" – باستعادة موقعها خلال فترة وجيزة، وكأن المعارك لم تترك أثرًا طويل المدى.
المستنقع السوري
يلفت زيسر إلى أن إسرائيل كانت تفتخر بسقوط نظام بشار الأسد، لكنها وجدت نفسها، بعد مرور عام، غارقة في مستنقع لا نهاية له في سورية، حيث الاتصالات التي بادر إليها السوريون للتوصل إلى تفاهمات أمنية انتهت إلى طريق مسدود. ويرى أن إسرائيل خسرت الورقة السياسية التي كان يمكن أن تخرج بها من التدخل في الساحة السورية، بينما ينتظر الجميع، من تل أبيب إلى دمشق، الإملاءات الأميركية التي ستحدد مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في سورية.
ويؤكد الكاتب أن الحرب في سورية تحولت إلى عبء سياسي واستراتيجي، بعدما فشلت إسرائيل في تحويل الإنجازات الميدانية إلى واقع جديد يضمن مصالحها على المدى الطويل، لتصبح الساحة السورية مثالًا صارخًا على انفصال الأداء العسكري الإسرائيلي عن غياب النظرة السياسية الشاملة.
إنجازات بلا ثمار
يرى زيسر أن إسرائيل، على الرغم من قدرتها الفريدة على تحقيق الإنجازات في ساحات القتال، فإنها تعجز مرارًا عن استثمار هذه النجاحات سياسياً، ما يجعل النتيجة النهائية أشبه بإهدار متكرر لما يتحقق على أرض المعركة. ويشير إلى أن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، بل أداة لتحقيق أهداف سياسية، لكن إسرائيل لم تتعلم هذا الدرس أو ربما نسيته، فهي تمتلك القوة العسكرية لكنها تفتقر إلى الرؤية السياسية التي تُحوّل القوة إلى إنجاز دائم.
ويؤكد أن غياب هذه الرؤية جعل اتفاق غزة يسمح لـ"حماس" بالحفاظ على قوتها، واتفاق لبنان يُمكّن "حزب الله" من إعادة بناء قدراته، بينما أدى غياب المبادرة السياسية إلى انهيار ما كان يُسمى بالجبهة العربية – الإسرائيلية في مواجهة إيران، ليتلاشى كل ما ظنت إسرائيل أنها حققته خلال السنوات الماضية.
غياب شارون
يستعيد الكاتب مبدأ رئيس الوزراء الراحل أرئيل شارون، الذي كان يجمع بين الحزم العسكري والهدوء السياسي، ليتحدث عن الفارق بين الماضي والحاضر. فشارون، كما يذكر زيسر، كان يتحدث بهدوء ويحمل العصا الثقيلة ويستخدمها عند الحاجة، جامعًا بين الرؤية السياسية والحسم العسكري. أما اليوم، فإن جزءًا من الطبقة السياسية الإسرائيلية – بحسب الكاتب – منشغل بالمعارك الداخلية، وبأسئلة هامشية حول التغريدات وصراعات القيادة، وكأن هذه القضايا هي آخر ما تبقى من أعداء إسرائيل.
ويختتم بأن غياب القيادة القادرة على صياغة رؤية سياسية متماسكة يعني أن الإنجازات العسكرية ستظل مؤقتة وعرضة للتآكل، وأن إسرائيل ستبقى تدور في حلقة مفرغة: انتصارات في الحرب، وخسائر في السياسة.










