21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عفوٌ يهدد “استقلال القضاء”: كيف كشف طلب نتنياهو زيف دولة العدالة؟

أعاد طلب العفو الذي قدّمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للرئيس إسحاق هرتسوغ فتح جرحٍ قانوني وسياسي عميق في إسرائيل، بعدما سعى لإنهاء محاكمته الممتدّة لسنوات دون اعتراف، ودون تحمّل مسؤولية عن تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.

بقلم: عمرو المصري
١ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
المعلق القانوني يوفال يوعاز والناشطة أورلي بارليف يفتحان النار على نتنياهو بعد طلبه العفو

المعلق القانوني يوفال يوعاز والناشطة أورلي بارليف يفتحان النار على نتنياهو بعد طلبه العفو

أعاد طلب العفو الذي قدّمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للرئيس إسحاق هرتسوغ فتح جرحٍ قانوني وسياسي عميق في إسرائيل، بعدما سعى لإنهاء محاكمته الممتدّة لسنوات دون اعتراف، ودون تحمّل مسؤولية عن تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. 

ورغم محاولاته تسويق الخطوة بعنوان المصالحة الوطنية وخفض التوتر الداخلي، رأى ناشطون وقانونيون أن الطلب يكشف انهيار مبدأ “سيادة القانون” في كيان طالما صدّر نفسه للعالم كواحة ديمقراطية. جاءت العاصفة من كون نتنياهو لم يُدان بعد ولم يعترف، ومع ذلك يطالب بصفح شامل يمنحه حصانة سياسية ويُعيده إلى الحكم بلا حساب أو قيد.

خلف هذا المسار يقف منطق واحد: توريض القانون لصالح الزعيم لا لصالح العدالة. وهنا بدأ النقاش يتجاوز مصير المحاكمة إلى مصير القضاء نفسه، ومن ثم إلى السؤال الأخطر: هل بقيت إسرائيل أصلًا دولة قانون أم بات الحكم فيها فوق المحاسبة؟

تفكك أسطورة القضاء المستقل

في تحليل قانوني مطوّل أعده الصحفي المخضرم والمعلق القانوني يوفال يوعاز، ونشره بموقع “زمان”، جرى التأكيد أنّ خطورة الطلب لا تكمن فقط في حداثته أو عدم وجود إدانة نهائية، بل في أنه يشطب جوهر العدالة: لا اعتراف، لا مسؤولية، لا إقرار بالخطأ. وهذا يعني ـ بأي مقياس قضائي ـ انقلابًا على فلسفة العفو ذاتها، التي تُمنح بعد الإدانة وبعد الاعتراف، لا قبلها ولا بدلًا عنها. الطلب، كما ورد في التحليلات الحقوقية الإسرائيلية، ليس استرحامًا بل هجوم مُعبّأ في غلاف المصالحة، إذ يتضمّن اتهامًا مباشرًا لمؤسسة القضاء بأنّها استهدفت نتنياهو كشخص وليس كمتهم، وأن التحقيقات جرت بهدف إسقاطه سياسيًا وليس بحثًا عن الجرائم.

يوفال يوعاز هو المعلق القانوني في شركة "زمان إسرائيل". محامٍ في مجالات القانون العام وسيادة القانون وقانون الإعلام، ومؤسس منظمة "مراقبة الديمقراطية الإسرائيلية" ومحاضر في الفساد الحكومي في المؤسسات الأكاديمية، وطالب دكتوراه في القانون.

ووفقا لـ"يوعاز"، هذا الاتهام ـ إذا مرّ دون رد ـ سيمنح شرعية لفكرة أنّ نتنياهو لم يُحاكَم بل تمّت مطاردته، ما يعني عمليًا إسقاط مصطلح “سلطة القضاء” لصالح “مظلومية الزعيم”، وهو تحوّل يُنظر إليه كصفعة نهائية لمبدأ استقلال القانون في إسرائيل.

غضب مدني وانهيار ثقة

الناشطة الإسرائيلية أورلي بارليف ـ بصوت احتجاجي حاد ـ وصفت طلب العفو بأنه وقح ومؤسس على الأكاذيب، وأن قبوله سيجعل نتنياهو “فوق القانون” ويحوّل الدولة إلى “نظام لصوص”. شبهت الخطوة بزوجٍ يضرب زوجته لسنوات ثم يطلب من القاضي إلغاء محاكمته بدعوى “الحفاظ على البيت”. رأت بارليف أن نتنياهو يريد كل شيء بلا مقابل، وأن قبول العفو يعني استسلامًا للجريمة ومنح جائزة للمخالفين. حذّرت من “تاريخ مخزٍ” سيلاحق الرئيس هرتسوغ إن منح العفو، مؤكدة أن الشارع لن يصمت، وأن يومًا جديدًا من النضال بدأ ضد “التهرب من العدالة”.

أورلي بارليف هي ناشطة إسرائيلية معروفة، خاصةً لدورها في تنظيم المظاهرات الاحتجاجية ضد الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب. وهي ناشطة سياسية ترى أن الرسالة الأساسية للحراك الشعبي هي معارضة السياسات التي لا تضع المواطنين في الاعتبار، والمطالبة بضغوط شعبية لمواجهة ما تعتبره مصالح سياسية شخصية. 

مقاربة بارليف لم تكن مجرد رأي غاضب، بل قراءة سياسية ـ مجتمعية تكشف حجم التصدع الداخلي: إذا صار العفو أداة للهروب بدل الاعتراف، فإن المواطن لن يرى في القضاء حاميًا بل شريكًا في الحصانة. وهنا تولد أخطر النتائج: انهيار ثقة الناس بالجهاز القانوني، وتحول الفساد إلى ممارسة مشروعة محمية بقرار رئاسي.

شرخ وجودي في بنية الحكم

من منظور تحليلي أوسع، يمثّل الطلب اختبارًا وجوديًا لمفهوم الدولة في إسرائيل. إذا قبِل الرئيس، ستصبح سابقة كفيلة بإنهاء مكانة القضاء كسلطة مستقلة، واعتبار المحاكمة “مؤامرة سياسية” لا إجراء قانونيًا. أما الرفض، فسيفتح باب مواجهة مباشرة بين مؤسسة الرئاسة وبين رأس السلطة التنفيذية، في مشهد يعكس دولة تتنازع داخلها الشرعية بدل أن تنظمها.

المفارقة أنّ نتنياهو يطرح العفو باسم الوحدة وخفض التوتر، بينما يرى معارضوه ـ مدنيون وقانونيون ـ أن الخطوة لن تُطفئ النار بل ستُشعلها. فكيف يطلب من أشعل الحريق أن يصبح رجل إطفاء؟ وكيف يمكن لرجل يطعن القضاء أن يُعيد الثقة به؟

"الدولة" أمام مرآتها

تكشف هذه اللحظة أنّ إسرائيل التي تُعرِّف نفسها كديمقراطية محصّنة بالقانون تقف الآن عند الحافة: إما دولة قانون يحاكم فيها القائد كأي مواطن، أو دولة زعيم تُزال فيها المحاكم كي يبقى الحاكم. طلب نتنياهو ليس ورقة عفو فقط، بل اختبار لنقاء المؤسسة القضائية ولحدود الديمقراطية التي تدّعيها إسرائيل، ومحاولة إعادة رسم قواعد اللعبة السياسية من داخل قاعة المحكمة لا من داخل صناديق الاقتراع.

ومهما كان قرار هرتسوغ، فإنّ إسرائيل خرجت من هذه الواقعة بصورة مغايرة: دولة ينكشف فيها الصراع على السلطة خلف قناع العدالة، ويسقط ادعاء “النزاهة القانونية” عندما يطالب المتهم بتتويج نفسه فوق القانون لا تحت أحكامه.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

عفوٌ يهدد “استقلال القضاء”: كيف كشف طلب نتنياهو زيف دولة العدالة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°