برزت خلال الساعات الماضية تسريبات إعلامية تزعم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالب نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو بأن “يستقيل فورًا ويغادر البلاد”، في مكالمة قيل إنها جرت بينهما الأسبوع الماضي. ورغم أن واشنطن تروّج لروايتها الخاصة حول المكالمة، إلا أن غياب أي تأكيد فنزويلي يثير تساؤلات واسعة حول دقة هذه المزاعم التي تتسق مع نمط الضغط الأمريكي المتكرر على كراكاس. وتأتي التسريبات في ظل نشاط عسكري أمريكي متزايد في الكاريبي، ما يعيد ملف “تغيير النظام” في فنزويلا إلى الواجهة بنَفَس أكثر هجومية.
لماذا يهم الأمر؟
لأن الحديث عن “تهديد مباشر بالاستقالة” من رئيس أمريكي لرئيس دولة ذات سيادة، يعيد إنتاج مشاهد قديمة من التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ويكشف استمرار منطق الغطرسة السياسية الذي تتعامل به واشنطن مع حكومات لا تدور في فلكها. كما أن الربط بين التسريبات والمشهد العسكري المتصاعد في الكاريبي يطرح احتمال تصعيد جديد، تتغلف مبرراته كالعادة بـ“محاربة المخدرات”، رغم أن تاريخ واشنطن في هذه الذريعة يظل محمّلاً بكثير من الشكوك.
إضافةً إلى ذلك، فإن الرواية الأمريكية – كما نُقلت عبر الإعلام المقرب من واشنطن – تبدو أحادية ومجتزأة، بينما تصمت كاراكاس، وهو صمت قد يحمل رسائل تفاوضية أو سياسية لا تتفق مع ما تحاول الإدارة الأمريكية تسويقه.
ما الذي يحدث؟
ذكرت صحيفة Miami Herald، نقلًا عن مصادر لم تُسمِّها، أن مكالمة هاتفية قصيرة “انتهت سريعًا” بين ترامب ومادورو، بعدما رفض الرئيس الأمريكي – بحسب الرواية المسربة – مطالب فنزويلية تتعلق بترتيبات سياسية داخلية. وتزعم المصادر أن مادورو طلب السماح بإجراء “انتخابات حرة” مقابل بقائه ممسكًا بالجيش، وهو ما رفضته واشنطن، التي ادّعت أيضًا أن مادورو طالب بـ“عفو عالمي” له وللمقربين منه.
وتضيف التسريبات أن ترامب أبلغ مادورو بأن بإمكانه هو وزوجته سيليا فلوريس وابنه المغادرة “بأمان”، بشرط أن يتم ذلك فورًا، وهي صيغة أقرب إلى “إنذار سياسي” منها إلى تفاوض بين دولتين. لكن هذه الادعاءات تبقى أحادية المصدر، فيما لم تصدر كاراكاس أي تعليق رسمي يؤكد أو ينفي ما جاء فيها.
وتقول المصادر الأمريكية إن واشنطن رفضت أيضًا طلبًا من مادورو بالإبقاء على هيكل سيطرة الجيش، خوفًا من إنشاء “سلطة ظل” على غرار نيكاراغوا عام 1991، وهو تبرير يعكس رؤية تتعامل مع أي توازن داخلي في الدول الأخرى باعتباره تهديدًا للمصالح الأمريكية.
نظرة قريبة:
المكالمة التي أكد ترامب وقوعها – لكنه قال إنها ليست “جيدة أو سيئة” – جاءت قبل أيام فقط من إعلانه إغلاق الأجواء فوق فنزويلا ومحيطها ابتداءً من 29 نوفمبر. وردّت كاراكاس على القرار بشكوى رسمية لدى منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، معتبرة الخطوة انتهاكًا مباشرًا للسيادة الفنزويلية، وهو توصيف لطالما رفضته واشنطن في ملفات مشابهة رغم وضوحه القانوني.
الصمت الفنزويلي حول تفاصيل المكالمة، مقابل الضخ الإعلامي الأمريكي، يوحي بأن التسريب قد يكون جزءًا من حملة ضغط تستبق أي ترتيبات سياسية داخلية في فنزويلا، خصوصًا في ظل الشكوك حول نيات واشنطن دفع الأمور نحو تغيير سياسي يتجاوز مجرد العقوبات والإغلاق الجوي.
ما وراء الكواليس:
تأتي التسريبات في وقت كثّفت فيه الولايات المتحدة تحركاتها العسكرية في الكاريبي، في إطار مرسوم سبق أن وقّعه ترامب يقضي باستخدام القوة العسكرية “لمواجهة عصابات المخدرات في مواقعها”. لكن هذا التبرير يواجه انتقادات واسعة داخل أمريكا اللاتينية وخارجها، وسط اتهامات بأن واشنطن تستخدم شعار “محاربة المخدرات” كغطاء لعمليات نفوذ سياسي أو لتوجيه رسائل استراتيجية.
ففي أغسطس الماضي، دفعت واشنطن بقوة بحرية تضم غواصات وسفن حربية إلى المياه القريبة من فنزويلا، بينما صرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسِث بأن الجيش “مستعد لكافة الخيارات، بما فيها تغيير النظام في فنزويلا”. وهي تصريحات تُظهر أن واشنطن لا تخفي نواياها، وتتعامل مع الحشود العسكرية كجزء من معادلة الضغط التي تريد فرضها.
في المقابل، أعلن مادورو تعبئة 4.5 ملايين عنصر من قوات الميليشيا الشعبية، مؤكدًا أن بلاده “مستعدة لصدّ أي هجوم”، في خطاب يعكس قوة التعبئة الداخلية مقابل الضغط الخارجي، ويظهر استعداد كاراكاس لعدم تقديم تنازلات سياسية مفروضة من الخارج.
نظرة أوسع:
لا تزال واشنطن تستهدف قوارب في المياه المفتوحة قرب فنزويلا تحت ذريعة “مكافحة التهريب”، وهي عمليات وُجهت إليها انتقادات دولية معتبرة أنها “منتهِكة للقانون الدولي”. وفي إطار المشهد الأوسع، وصلت إلى المنطقة مجموعة هجومية كاملة على متن أضخم حاملة طائرات أمريكية في العالم، USS Gerald R. Ford، ما يعزز الانطباع بأن واشنطن تستخدم القوة العسكرية كوسيلة تفاوض وليس فقط كتحرك تكتيكي.
ورغم عدم صدور أي تعليق من حكومة مادورو بشأن تفاصيل المكالمة التي تروّج لها واشنطن، فإن الأحداث المحيطة بها – من إغلاق الأجواء وتحريك الأساطيل والتصريحات العسكرية – تجعل من الصعب فصل التسريب عن استراتيجية ضغط متكاملة تهدف لفرض واقع سياسي داخل فنزويلا، بما يعيد سيناريوهات التدخلات الأمريكية القديمة في أمريكا اللاتينية.
الواقع:
تعكس التسريبات الجديدة – سواء صحت أم كانت جزءًا من حملة نفسية – استمرار الولايات المتحدة في التعامل مع فنزويلا بمنطق “الإملاء السياسي”، مستخدمة القوة العسكرية وتدفقات المعلومات المسربة لخلق مشهد ضغط كامل. وبينما تُصوّر واشنطن خطواتها على أنها دفاع عن الديمقراطية أو مكافحة للمخدرات، يرى كثيرون في أمريكا اللاتينية أن المشهد يعيد إنتاج دور أمريكي تاريخي قائم على الغطرسة وإدارة سياسات المنطقة بالعصا الغليظة، في وقت تظهر فيه كاراكاس تصميمًا على عدم الانحناء للضغوط المتزايدة.








