منذ ديسمبر 2024، شن الجيش الإسرائيلي غزواً برياً للمنطقة العازلة في جنوب غرب سوريا، قرب هضبة الجولان المحتلة، مستغلاً الفراغ الأمني بعد سقوط الأسد. بنى جيش الاحتلال مواقع عسكرية دائمة (حوالي 9 مواقع حتى فبراير 2025)، وأجروا مداهمات متكررة في محافظتي القنيطرة ودرعا، مما أثار إدانات دولية. وشملت الانتهاكات تشمل إقامة حواجز، تدمير أراضي زراعية، اعتقال مدنيين، وهدم منازل (مثل فيقرية الحميدية في يونيو 2025).
وأمس الاثنين، تقدمت قوات إسرائيلية (دبابتين و4 مركبات مدرعة) إلى قرية تل الهمرا في شمال ريف القنيطرة، حيث أقامت مواقع مؤقتة وأجرت تفتيشاً للمدنيين، مما أثار حالة من الذعر بين السكان. هذا التوغل جاء بعد ساعات قليلة من مداهمة أخرى في تل أبو قبيس (جنوب القنيطرة)، حيث دخلت 3 دبابات ومركبتين مدرعتين.
في الوقت نفسه، تقدمت قوات إسرائيلية غرب قرية سعيدة الحنوت (جنوب القنيطرة)، وأقامت حاجزاً على طريق عين البيضاء - جبثة الخشب في الشمال، مع استخدام طائرات بدون طيار وتدمير أراضي زراعية. التقارير تشير إلى أن هذه المداهمات الثانية في غضون ساعات قليلة، وتأتي ضمن سلسلة انتهاكات متزايدة في المنطقة، بما في ذلك إطلاق نار واعتقال شبان من قرية رويحينة.
لماذا تتصرف إسرائيل بهذا الشكل الآن؟
يأتي سلوك إسرائيل في سياق استراتيجي يجمع بين الاستغلال الفرصي للفراغ الأمني بعد سقوط نظام بشار الأسد (ديسمبر 2024) والحفاظ على تفوق أمني طويل الأمد. هذا التصرف ليس عشوائياً، بل جزء من خطة "عملية سهم البشان" الإسرائيلية المعدة منذ 2011، والتي تهدف إلى منع أي تهديد محتمل على حدود الجولان المحتلة.
إسرائيل ترى في الوضع السوري الحالي – تحت قيادة أحمد الشرع القادم من هيئة تحرير الشام (HTS) – فرصة نادرة لتعزيز أمنها، خاصة بعد انسحاب القوات الإيرانية و"حزب الله" من سوريا.
التوغلات الحالية (مثل المداهمة في تلة الحمرية يوم 1 ديسمبر 2025، مع دبابات ومركبات مدرعة) تأتي في سياق تصعيد مستمر منذ ديسمبر 2024، حيث أجرت إسرائيل أكثر من 1000 غارة جوية و400 مداهمة برية، وأقامت 9 مواقع عسكرية دائمة في المنطقة العازلة.
الدوافع الرئيسية تشمل:
الاستفادة من الفراغ الأمني والضعف السوري: بعد سقوط الأسد، انهار الجيش السوري، مما خلق "فراغاً" على الحدود. إسرائيل استغلت ذلك لاحتلال المنطقة العازلة (بما فيها قمة جبل الشيخ، الذي يسيطر على دمشق ويحتوي على مصادر مياه سورية رئيسية)، وتدمير مستودعات أسلحة ومواقع دفاع جوي سورية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكد أن التواجد "مؤقت" لكن "غير محدود" حتى يتم إنشاء "قوة فعالة" تلبي شروط الأمن الإسرائيلي.
الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية: تزعم إسرائيل أن التوغلات تهدف إلى منع إعادة بناء تهديدات على الحدود الشمالية، مثل خطوط إمداد "حزب الله" أو وجود هيئة تحرير الشام القريبة من الجولان. كما تزعم إسرائيل أنها خائفة من أن يسمح الشرع بتسلل مقاومين (مثل عناصر حماس أو الجهاد الإسلامي المفرج عنهم من سجون الأسد)، أو أن يتوسع نفوذ تركيا في الجنوب. كما أن التوغلات تشمل تدمير أراضٍ زراعية وغابات (مئات الهكتارات في نوفمبر 2025) لإنشاء "حزام أمني"، مما يعكس استراتيجية "الأرض مقابل السلام" المعكوسة، حيث تستخدم إسرائيل الاحتلال لفرض شروط.
التجاهل للضغوط الدولية والتأثير السياسي الداخلي: رغم تحذير ترامب (1 ديسمبر 2025) بضرورة "حوار صادق" مع سوريا لدعم "تطورها إلى دولة مزدهرة"، تستمر إسرائيل في التصعيد لأنها تعتقد أن الولايات المتحدة (تحت ترامب) ستدعمها ضمنياً، خاصة بعد رفع عقوبات على سوريا في يوليو 2025. داخلياً، يعزز نتنياهو شعبيته بـ"الانتصارات الأمنية"، كما في زيارته للقنيطرة في نوفمبر 2025، حيث أعلن أن سقوط الأسد "نتيجة مباشرة لضرباتنا ضد إيران وحزب الله".
ما رسائل إسرائيل تجاه المشهد السوري؟
رسائل إسرائيل واضحة ومباشرة، هي ليست مجرد دفاعية، بل تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السورية لصالح أمنها، مع التحذير من أي تحرك يهدد الجولان أو يعيد "التهديد الإيراني". هذه الرسائل موجهة بشكل أساسي إلى حكومة الشرع، التي تراها إسرائيل "جهادية سابقة" غير موثوقة، رغم إعلانها التزام اتفاق فصل القوات 1974.
الرسالة الأمنية
"لن نسمح بتهديدات على حدودنا": إسرائيل تطالب بـ"نزع سلاح كامل" لمحافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، ومنع أي قوات أو "الجيش السوري الجديد" من الاقتراب جنوب دمشق.
نتنياهو حذر في فبراير 2025: "لن نسمح لقوات هيئة تحرير الشام أو الجيش الجديد بدخول الجنوب"، متذرعا بحماية الدروز والأقليات لمنع ما يصفه بـ"فوضى جهادية". التوغلات الحالية (مثل اعتقال مدنيين في رويحينة) رسالة للنظام السوري الجديد بأن أي محاولة للسيطرة ستُقابل بقوة عسكرية.
الرسالة السياسية
"التعاون أو التصعيد": إسرائيل ترسل إشارات مزدوجة؛ ترفض الاعتراف الكامل بهيئة تحرير الشام ونظام سوريا الحالي، لكنها مستعدة لـ"حوار" إذا التزمت دمشق بـ"شروط أمنية"، مثل تدمير بقايا أسلحة الأسد الكيميائية ومنع تسلل إيراني.
الشرع رد في نوفمبر 2025، وقال الرئيس السوري في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” إن إسرائيل احتلت مرتفعات الجولان بحجة “حماية” نفسها، ولو استمرت في فرض شروطها فربما يتوسع احتلالها ليصل إلى مدينة ميونخ الألمانية.
الرسالة الدولية
"الأولوية للأمن الإسرائيلي": تجاهل الإدانات الدولية والتحذيرات الأمريكية يؤكد أن إسرائيل ترى في الوضع "هدية غير متوقعة"، كما وصفتها تقارير، لكنها قد تؤدي إلى عزلة إذا أدت إلى مواجهات أوسع. الرسالة إلى الشرع: "أظهر التزامك بالسلام، وإلا سنفرضه عسكرياً".
إن تصرف إسرائيل الآن يعكس مزيجاً من الفرصة والخوف، مع رسائل تهدف إلى فرض "واقع جديد" يضمن تفوقها. هذا قد يعيق الاستقرار السوري الذي يدعمه ترامب، ويفتح الباب لتصعيد إذا لم يتم التفاوض.










