استقبلت الحكومة المصرية، الثلاثاء، وفد فني رفيع من صندوق النقد الدولي في زيارة تُعد الأكثر حساسية منذ توقيع الاتفاق الذي منح مصر ثمانية مليارات دولار تُصرف على أقساط ربع سنوية، بدأت بثلاثة مليارات في ديسمبر 2022، ثم ارتفعت بنحو خمسة مليارات نهاية مارس 2024. وتأتي الزيارة وسط حالة من ترقب ملحوظ في أسواق المال، التي تنتظر نتائج مباحثات تعطلت خمسة أشهر كاملة بسبب خلافات جوهرية بين الطرفين.
وترى تقارير الصندوق أن الحكومة المصرية تتباطأ في تنفيذ برنامج البيع، خاصة ما يتعلق بالأصول العامة والشركات المملوكة للدولة والأجهزة السيادية، كما تعرقل – وفق رؤية الصندوق – مشاركة القطاع الخاص في إدارة الاقتصاد. في المقابل، تصر الحكومة على أن عملية البيع تجري وفق "توقيتات وطنية" لا يمكن ربطها بضغوط خارجية، وأن الأولوية تتمثل في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والسياسي.
سباق مع الزمن قبل 12 ديسمبر
تستهدف بعثة الصندوق التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء قبل 12 ديسمبر، وهو ما سيتيح لمصر صرف شريحتين بقيمة 2.7 مليار دولار توقفت منذ منتصف 2023، إضافة إلى 274 مليون دولار من برنامج "الصلابة والاستدامة". غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن الصندوق لن يصرف أي تمويل قبل الحصول على ضمانات واضحة حول جدية الدولة في بيع الأصول العامة لدعم الاحتياطي النقدي، وتقليص الاقتراض الخارجي الذي بلغ مستويات حرجة.
وتدور مفاوضات الوفد الدولي على مدار 11 يوماً مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير المالية أحمد كجوك، ومحافظ البنك المركزي حسن عبد الله، ووزراء المجموعة الاقتصادية، إضافة إلى مسؤولي قناة السويس وصندوق مصر السيادي ورموز القطاع الخاص.
وتغطي المراجعة الخامسة والسادسة ملفات شائكة، بينها رفع دعم الطاقة بشكل كامل، وتقليص الدور الحكومي في السوق، وتسريع برنامج الطروحات، وتقييم آليات "مرونة سعر الصرف"، وضبط التدفقات الدولارية، ومكافحة السوق الموازية للعملة.
تلازم الزيارة مع حملة حكومية دعائية
تزامنت هذه الزيارة الحساسة مع حملة علاقات عامة حكومية واسعة، قادها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ظهرت فيها رواية رسمية متفائلة تتحدث عن "نجاحات الإصلاح" و"قرب جني الثمار". وقد أثارت هذه الحملة انتقادات واسعة، من أبرزها ما طرحه الكاتب مصطفى عبدالسلام في مقاله المنشور بـ"العربي الجديد"، والذي شكّل قراءة معاكسة تماماً للخطاب الرسمي.
ينتقد المقال بشدة الطريقة التي سوّقت بها الحكومة برنامج "الإصلاح الاقتصادي" قبيل وصول بعثة الصندوق، واصفاً هذا التحرك بأنه "زفة بلدي" تهدف إلى خلق انطباع بوجود إنجازات كبرى، رغم أن المواطن المصري لم يلمس أي تحسن في مستوى المعيشة. ويشير المقال إلى أن تصريحات مدبولي بشأن قرب جني ثمار الإصلاح خلال السنوات الثلاث المقبلة لا تختلف كثيراً عن وعود رسمية متكررة منذ 2014، لكنها لم تنتج سوى موجات غلاء قاسية، وتوسع غير مسبوق في الفقر، وتدهور في القدرة الشرائية.
كما يلفت الكاتب إلى أن الحكومة تحاول تغطية فشل السياسات الاقتصادية عبر توجيه "تحية رمزية" للمصريين بزعم تحملهم أعباء الإصلاح، رغم أن تلك الأعباء لم تُترجم إلى تحسن في الخدمات أو الأسعار أو الدخل.
يؤكد المقال أن توقيت الحملة قبل وصول بعثة صندوق النقد يهدف إلى تهيئة الرأي العام قبل قرارات إضافية متوقعة تشمل رفع أسعار الوقود والغاز والكهرباء والمواصلات، وتوسيع الضرائب والرسوم، وبيع المزيد من أصول الدولة. ويذكّر بأن المصريين يدركون أن زيارات الصندوق غالباً ما تعقبها موجات جديدة من التقشف والتضخم.
مؤشرات اقتصادية تنفي الرواية الرسمية
يلخّص الكاتب جملة من المؤشرات التي يراها داحضة للخطاب الحكومي المتفائل:
- تآكل الطبقة الوسطى وتدهور قدرتها الشرائية.
- انهيار الجنيه أمام الدولار، وتآكل المدخرات الوطنية.
- ارتفاع غير مسبوق في أسعار الوقود والأدوية والخدمات الأساسية.
- قفزات قياسية في معدلات الفقر والتضخم.
- وصول الدين إلى مستويات خطيرة:
- دين محلي يتجاوز 10 تريليونات جنيه.
- دين خارجي يفوق 162.5 مليار دولار.
كما يوضح المقال أن مصر أصبحت أكثر تبعية للدائنين الدوليين، وأن الحكومة تدور في حلقة مفرغة من الاقتراض، بينما جرى تجاهل ملفات حيوية كالتعليم والصناعة والصادرات، وإهدار المال العام في مشروعات ضخمة لا تمس حياة المواطن.
زيارة الحسم
بدورها، اختارت د. سالي صلاح، خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد والتسويق الدولي، عنوانا معبرا عن فحوى زيارة بعثة الصندوق الحالية لمصر، واصفة إياها بأنها "زيارة الحسم"، وطرحت التساؤل: "هل يرفع صندوق النقد الدولي الغطاء عن أخطر أزمة حكم في مصر؟".
وقالت "صلاح" في منشور عبر حسابها بمنصة فيسبوك، إن المراجعتين الخامسة والسادسة لصندوق الدولي تحاصران قلب النموذج المصري. وقدمت "صلاح" تحليلا استراتيجيا للزيارة تحت عنوان " التناقض المصري بين شروط الإنقاذ ومقاومة الإصلاح".
وشددت "صلاح"، مبتكرة حلول النمو والتوسع وتحويل مسارات الشركات في الأسواق المتقلبة، على أن مفاوضات المراجعة الخامسة والسادسة للبرنامج تُسلط الضوء على تناقض استراتيجي عميق في إدارة الاقتصاد المصري. لا تناقش البعثة مجرد أرقام، بل تفحص جوهر النموذج الاقتصادي السائد ومدى التزام النخبة الحاكمة بتغييره.
وأكدت "صلاح" أن الخلاف الأساسي بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي يتجاوز الجدول الزمني للخصخصة. هو في الحقيقة صراع بين منهجين اقتصاديين: رؤية الحكومة للاقتصاد كأداة للسيولة والبقاء السياسي، ورؤية الصندوق نفسه.
بين منطق الحكومة ورؤية الصندوق
وأوضحت خبيرة الاقتصاد أن منطق تعامل الحكومة المصرية مع برنامج الخصخصة ليس كإصلاح هيكلي، بل كمصدر ظرفي للعملة الصعبة. بمجرد توافر دولارات من مصادر أخرى (تحويلات المصريين بالخارج البالغة 36.5 مليار دولار، صفقات مثل "علم الروم" بقيمة 3.5 مليار دولار، السياحة)، تفقد الحاجة إلى البيع إلحاحها.
وتحدثت "صلاح" عما وصفته بـ"المقاومة الانتقائية" موضحة أن الحكومة نجحت في تأخير الخصخصة عندما تعلقت بمصالح جهات نافذة، خاصة الشركات التابعة للجيش (مثل "صافي" و"وطنية"). هذا يكشف أن الأولوية هي حفظ شبكات النفوذ الاقتصادي، وليس خلق سوق عادلة.
وأشارت إلى أن النتيجة لكل ذلك كانت تحول البرنامج إلى بيع انتقائي لأصول "مدنية" استراتيجية (مثل "الإسكندرية للحاويات"، "البنك التجاري الدولي") لشركاء إقليميين (السعودية، الإمارات)، بينما يُحفظ النشاط الاقتصادي العسكري بمنأى عن المنافسة والمحاسبة.
بينما ميزت "صلاح" بين رؤية الحكومة السابق شرحها، ورؤية الصندوق، التي منحتها عنوان: "الإصلاح الهيكلي كشرط للاستقرار الطويل".
ولفتت مبتكرة حلول النمو إلى أن الهدف الاستراتيجي من رؤية الصندوق من بيع حصص الدولة هو "فتح مساحات أكبر أمام القطاع الخاص"، وخلق بيئة تنافسية، وليس مجرد جمع دولارات.
ووفقا لـ"صلاح"، يُدرك الصندوق أن الاقتصاد المشوَّه، الذي تهيمن عليه كيانات حكومية وعسكرية تتمتع بإعفاءات وحماية، هو أصل الضعف. هذه الكيانات تُخرج نشاطاً اقتصادياً ضخماً من دائرة الموازنة العامة والشفافية، وتخنق الاستثمار الخاص المنتج.
ونوهت إلى أن المطلب الجوهري للصندوق هو تقليص دور الدولة في الاقتصاد، لافتة إلى أنه " ليس عقيدة"، بل هو علاج لخلل هيكلي يحول دون النمو الحقيقي والقدرة على خلق فرص عمل.
نتيجة الزيارة المتوقعة
وتوقعت "صلاح" أن الصندوق سيصرف الشريحة الحالية (2.4 مليار دولار)، وأن القرار سيكون مبنياً على اعتراف بالإنجازات قصيرة المدى وعدم الرغبة في تخويف دولة ذات دور إقليمي، خاصة في ظل بعض المؤشرات الإيجابية كتحويلات المصريين وزيادة الصادرات ومرونة سعر الصرف.
وأكدت د. سالي صلاح أن مفاوضات مصر مع الصندوق هي مرآة لأزمة حكم أكثر منها أزمة اقتصاد، وأن المشكلة ليست في نقص الدولارات فحسب، بل في نموذج حكم اقتصادي يفضل الريع على الإنتاج، ويحمي الامتيازات على حساب المنافسة، ويختار الحلول المؤقتة على حساب الإصلاح الجذري.
وختمت تحليلها بالقول: "طالما بقي هذا النموذج قائماً، ستظل حلقة الأزمات مفرغة، وسيظل الصندوق ومعه المجتمع الدولي يشككون في جدوى أي برنامج إنقاذ".
زيارة ثقيلة ومفاوضات صعبة
تكشف السياقات المتوازية لزيارة الصندوق والحملة الحكومية الدعائية أن المشهد الاقتصادي المصري يمضي نحو مفاوضات معقدة تُحاول فيها الحكومة كسب الوقت، فيما يضغط الصندوق للحصول على التزامات لا رجعة فيها. وبينما تتحدث الحكومة عن تحسين قادم في مستوى المعيشة، تتزايد مؤشرات القلق من إجراءات تقشفية إضافية قد تفرضها المراجعات المؤجلة.
وإلى حين صدور بيان الصندوق في 12 ديسمبر، يبقى السؤال الحاسم:
هل تنجح القاهرة في إقناع الصندوق بجدية برنامج الخصخصة والإصلاح، أم تتجه البلاد نحو مزيد من الشروط الصعبة والضغوط المعيشية؟










