تحاول الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، إعادة تشكيل معادلة الجنوب اللبناني عبر فرض آلية تفاوضية جديدة تجمع لبنان وإسرائيل في لقاء سياسي مباشر هو الأول منذ 1983. وتشير معطيات عدة نقلتها مواقع أمريكية، وعلى رأسها موقع «أكسيوس»، إلى أن واشنطن مارست في الأشهر الماضية ضغوطاً متصاعدة على بيروت وتل أبيب لإرسال ممثلين مدنيين إلى اجتماع «الميكانيزم» في الناقورة، بعد عام كامل من الاجتماعات العسكرية الروتينية لمراقبة وقف إطلاق النار.
ويكشف المسؤولون الأمريكيون أن هدف واشنطن يتجاوز مجرد معالجة التوتر الحدودي، إذ تسعى إلى إرساء هندسة سياسية جديدة تمهّد لإعادة هيكلة الجنوب ونزع سلاح حزب الله تدريجياً.
وعلى وقع ضغوط أمريكية إسرائيلية، قررت الحكومة اللبنانية في أغسطس الماضي، تجريد حزب الله من سلاحه، ووضع الجيش خطة من 5 مراحل لسحب السلاح، لكن الحزب رفض الخطة، وشدد على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
وأُنشئت "لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية" بموجب إعلان وقف الأعمال العدائية بين البلدين في 27 نوفمبر 2024. وتضم اللجنة كلا من لبنان وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة وقوة الأمم المتحدة بجنوبي لبنان (يونيفيل).
وتوضح مصادر دبلوماسية أن واشنطن حاولت منذ مارس دفع الطرفين إلى طاولة واحدة، لكن تأخر التنفيذ بسبب الضربات الإسرائيلية المتواصلة داخل لبنان ورفض بيروت في البداية إدخال عناصر مدنية إلى الوفد. ومع اغتيال الجيش الإسرائيلي القيادي العسكري الأبرز في حزب الله هيثم طباطبائي قبل حوالي أسبوعين، استغلت واشنطن اللحظة لدفع الطرفين نحو تفاوض مباشر، معتبرة أن الاغتيال أتاح لإسرائيل هامش مناورة سياسية ومنع حرباً وشيكة كانت تل أبيب تهدد بها منذ شهور.
الموقف اللبناني الرسمي
لم يحتج لبنان الرسمي سوى لأسابيع قليلة قبل الرضوخ للمطلب الأمريكي بإدخال عنصر مدني إلى «الميكانيزم»، بعدما أعلنت رئاسة الجمهورية فجأة قبل ساعات فقط من اجتماع الناقورة تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً لوفد بيروت. وتكشف مصادر مطلعة أن القرار اتخذ في الساعات الأخيرة، وأن الضباط الثلاثة في الوفد اللبناني أُبلغوا ليلاً بأن رئيساً مدنياً سيقود الاجتماع، في تحول يعكس درجة الضغط الأمريكي على الدولة اللبنانية.
وشهد الاجتماع، الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات، حضوراً مشتركاً للوفد اللبناني العسكري والوفد الإسرائيلي في المرحلة الأولى، قبل أن يغادر الضباط ويُستكمل القسم السياسي بين كرم وممثل مجلس الأمن القومي الإسرائيلي يوري رِسنيك، بحضور قيادة «اليونيفيل» واللجنة الأمريكية–الفرنسية. وتمسّك الوفد اللبناني بمبدأ عدم التخاطب المباشر مع الوفد الإسرائيلي، مكتفياً بالحديث عبر رئيس اللجنة الأمريكية.
بدوره، قال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، إن لبنان ليس بصدد مفاوضات سلام أو تطبيع مع إسرائيل، مؤكدا أن نتنياهو ذهب بعيدا في توصيفه لقرار ضم دبلوماسي مدني للجنة.
وأكد سلام، في لقاء مع قناة الجزيرة القطرية، أن بلاده منفتحة على ضم مدنيين إلى وفد لبنان في لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، وأضاف أن لبنان مستعد لمفاوضات فوق عسكرية مع إسرائيل، مؤكدا أن خطوة إدخال مدنيين إلى الوفد تحظى بمظلة سياسية محصنة.
الشروط الإسرائيلية المعلنة
تذهب إسرائيل إلى الاجتماع وهي تحمل شروطاً سياسية–أمنية واضحة، أبرزها اعتبار نزع سلاح حزب الله الهدف المركزي لأي تفاوض مقبل. وتنقل «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن بيروت لا تقوم بما يكفي لتطبيق تعهداتها المتعلقة بمنع إعادة تسلح الحزب، وتلوّح تل أبيب منذ شهور بأنها ستعود للحرب إذا واصل الحزب بناء قدراته.
وتعكس العمليات الإسرائيلية المتجددة في الجنوب خلال الأسابيع الأخيرة رغبة في فرض ميزان قوى جديد قبل الدخول في أي مسار سياسي. فالجيش الإسرائيلي كثّف ضرباته في الجنوب، واغتال طباطبائي في بيروت، في أول عملية من نوعها منذ خمسة أشهر، في رسالة تهدف إلى إظهار السيطرة وإحراج الدولة اللبنانية.
ويرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الاجتماع الأخير "اتفق على طرح أفكار للتعاون الاقتصادي بعد نزع سلاح حزب الله"، في إشارة تكشف محاولة ربط أي مبادرة اقتصادية مستقبلية بتطبيق الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
حسابات بيروت السياسية
يظهر من مجمل المعطيات أن لبنان دخل الاجتماع محكوماً بمعادلة دقيقة: تلبية الضغط الأمريكي دون الانزلاق إلى تفاوض سياسي علني مع إسرائيل. ولهذا حرص رئيس الحكومة نواف سلام على التأكيد أن الاجتماع "ليس تفاوضاً للسلام" وأن أي حديث عن تطبيع "مرتبط فقط بسلام شامل"، في محاولة لطمأنة الداخل اللبناني وعدم منح إسرائيل غطاء سياسياً غير مقصود.
لكن التطور الأخطر يتمثل في موافقة لبنان، وفق مصادر متابعة، على قيام قوات أمريكية وفرنسية بتفتيش منشآت يشتبه الإسرائيليون بأنها تحتوي أسلحة لحزب الله، وهو تحول يعكس حجم النفوذ الأمريكي ودرجة التنازل التي دفعت بيروت إلى تقديمها مقابل تجنب مواجهة عسكرية واسعة.
معادلة الجنوب المتغيّرة
تشير مصادر عسكرية إلى أن الجنوب قد يشهد تحولات ميدانية خلال الأسابيع المقبلة، أبرزها خفض عديد قوات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية المحتلة كبادرة "حسن نية" إسرائيلية، تتماشى مع التجاوب اللبناني في المسار التفاوضي. ويبدو أن واشنطن تسعى إلى بناء "معادلة أمنية جديدة" تقوم على تعاون اقتصادي محدود، رقابة أمريكية–فرنسية على تنفيذ ترتيبات ميدانية، وتخفيف للوجود العسكري الإسرائيلي، على أن يُربط ذلك كله بهدف نهائي هو تحجيم قوة حزب الله.
وفي الجانب الأمريكي، تتبلور رؤية طويلة الأمد لإنشاء "منطقة ترامب الاقتصادية" على الحدود، خالية من السلاح ومن وجود حزب الله، كمقدمة لبناء الثقة بين الطرفين وفتح قنوات تعاون اقتصادي "مدني"، رغم أن جذور المشروع أمنية صرفة وفق ما توضح مصادر أمريكية للموقع.
استياء حزب الله
من جانبه، قال الكاتب والباحث السياسي رضوان عقيل، إنّ لبنان ذهب "مكرهًا" إلى المفاوضات مع إسرائيل تحت الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، لافتًا إلى أنّ المبعوثة الأمريكية مورغان أورتاغوس أُبلغت من قبل رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أنّه لا يُعارض إشراك مدنيين في اجتماعات لجنة "الميكانيزم" شرط أن يكون ذلك "تحت السقف الأمني".
وأوضح عقيل، في حديث إلى التلفزيون العربي، أنّ حالة من الاستياء تسود في بيئة "حزب الله" الشعبية، لكنّ الحزب لم يعلن أي موقف وذلك لأن برّي وافق على هذه الخطوة ولأنّ الحزب لا يريد أن يتحمّل مسؤولية إقدام إسرائيل على تنفيذ ضربة عسكرية كبرى على لبنان.
وأضاف: "إن رسائل تهديد إسرائيلية وصلت إلى الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية مفادها أنّ إسرئيل ستُنفّذ ضربات ضد أهداف لحزب الله خلال الأسابيع المقبلة من دون أن تستثني أي بقعة جغرافية في لبنان"، موضحًا أنّ "حزب الله" غير مقتنع بعمل لجنة "الميكانيزم" لكنّه بات مجبرًا على القبول بها.
تطبيع مستبعد
وفي قراءة للموقف الإسرائيلي، أوضح الباحث في الشأن الإسرائيلي جاكي خوري، أنّ إسرائيل تُحاول التصعيد في خطابها الإعلامي الداخلي والإقليمي، إذ يُحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يُخبر الرأي العام الإسرائيلي أنّ الأمور مع لبنان تتّجه إلى ما تُريده إسرائيل، حيث يُشارك مدني في المفاوضات التي تتناول أيضًا التعاون الاقتصادي.
وأشار خوري، في حديث إلى التلفزيون العربي، إلى أنّ نتنياهو تقصّد تسليط الضوء على اجتماع لجنة "الميكانيزم" الذي عُقد اليوم رغم أنّه كان يمكن أن يجري بعيدًا عن الإعلام.
واستبعد خوري أن تذهب إسرائيل حاليًا إلى اتفاق تطبيع يُجبرها على الانسحاب من النقاط التي احتلتها في الحرب الأخيرة على لبنان، فيما تستطيع الآن تنفيذ ضربات أينما شاءت وكيفما شاءت. وعلى الجهة المقابلة، من المبكر الحديث عن تطبيع مع إسرائيل على الجانب اللبناني، وفقًا لخوري.
ملامح التفاوض المقبل
اتفقت الوفود على عقد اجتماع جديد قبل نهاية العام، لتقديم مقترحات اقتصادية مشتركة، رغم أن هذه "الاقتصاديات" تخفي جوهر المسار الحقيقي: هندسة سياسية–أمنية جديدة تُفرض على لبنان تحت عنوان خفض التوتر. وفي ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، يبقى السؤال حول قدرة بيروت على منع انزلاق «الميكانيزم» من آلية لضبط الخط الأزرق إلى منصة تفاوض سياسي تتقدم فيها واشنطن بمقايضة قاسية: الأمن مقابل الاقتصاد.
هذا الاجتماع، الذي بدأ "كمحادثة تعريفية"، يفتح الباب أمام أول مسار سياسي لبناني–إسرائيلي منذ 1983، في سياق إقليمي تتقدم فيه الخطط الأمريكية على حساب سيادة الدول وعلى وقع تهديدات إسرائيلية لا تتوقف، ما يجعل الجنوب اللبناني أمام مرحلة إعادة تشكيل كبرى، قد تحدد مستقبل التوازن بين المقاومة وضغوط واشنطن وتل أبيب.










