أدانت شبكة أطباء السودان، كمنظمة أهلية رقابية، احتجاز ميليشيات الدعم السريع لأكثر من مئة أسرة. تستهدف هذه الاعتقالات مدنيين من مدينة بابنوسة والقرى المحيطة في ولاية غرب كردفان، وتشمل الأطفال والنساء الحوامل. يتم احتجاز هؤلاء المدنيين في ظروف إنسانية بالغة الخطورة، مما يعرض حياتهم للخطر المباشر ويفرض عليهم معاناة قاسية تنتهك كرامتهم الإنسانية الأساسية.
استندت الشبكة في إدانتها إلى مقاطع فيديو تحققت منها فرقها الميدانية، ونشرها إرهابيو الدعم السريع أنفسهم. ظهرت هذه المقاطع بعد سيطرتهم على المدينة يوم الاثنين الماضي، وكشفت تعرض عدد من النساء المحتجزات للضرب والإهانة. يتم تبرير هذه الانتهاكات بتهم غير مؤكدة عن انتماء ذوي النساء للجيش السوداني، مما يجعلهن دروعاً بشرية في صراع مسلح.
انتهاكات صارخة للقانون
أكدت الشبكة في بيان رسمي أن احتجاز المدنيين وسوء معاملتهم يمثلان خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. يزيد هذا الخرق من عمق الكارثة الإنسانية التي تشهدها المنطقة، والتي تعاني بالفعل من تدهور حاد في الخدمات الأساسية ونقص حاد في الغذاء والدواء. تحول المدنيون إلى كروت ضغط في صراع عسكري لا ناقة لهم فيه ولا جمل، مما يضاعف من مأساتهم ويعمق أزمتهم النفسية والجسدية.
جددت الشبكة رفضها القاطع لاستهداف المدنيين، خاصة الفئات الأكثر ضعفاً كالنساء والأطفال. حذرت من استخدامهم كورقة ضغط أو مقايضتهم بالفدية للإفراج عنهم، وهي ممارسات تحرمهم من إنسانيتهم وتجردهم من أي حماية. طالبت المجتمع الدولي والمنظمات الأممية بإدانة واضحة لهذه الوقائع، وفرض عقوبات على المسؤولين عنها، وتحميل قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن سلامة المحتجزين.
تحذيرات عاجلة للمدنيين
حث متطوعو الشبكة سكان بابنوسة الذين غادروها أثناء الاشتباكات على عدم التسرع في العودة. يأتي هذا التحذير في ظل ظروف أمنية غير مستقرة وبيئة ملوثة بمخاطر الحرب. عدم العودة الفورية يعد إجراءً وقائياً ضرورياً لحماية الأرواح، خاصة مع وجود تقارير عن انتهاكات واسعة بحق من تبقى في المدينة أو حاول العودة إليها في وقت سابق.
أشارت الشبكة إلى أن المقاطع المنشورة تثير قلقاً واسعاً على سلامة المحتجزين، حيث تظهر معاملة قاسية وظروفاً اعتقالية لا إنسانية. عدم وصول الغذاء والدواء الكافي، والإقامة في أماكن غير صحية، والتعرض للتعذيب النفسي والجسدي، كلها عوامل تهدد حياتهم. يجب أن تكون الأولوية هي تأمين سلامتهم وإنهاء احتجازهم الفوري وغير المشروط، قبل أي نقاش حول عودة النازحين.
مدينة أشباح مليئة بالألغام
وصفت غرفة طوارئ بابنوسة، وهي مجموعة تطوعية محلية، الأيام التي عاشها سكان المدينة بأنها "قاسية ولا تنسى". منذ اندلاع الحرب داخل الأحياء السكنية، تعرضت المدينة لقصف مكثف بالبراميل المتفجرة، مما حولها إلى ساحة دمار شامل. أدى هذا القصف العشوائي إلى نزوح شامل لسكانها، وتحولت من مدينة نابضة بالحياة إلى ما يشبه مدينة الأشباح المهجورة.
أكدت الغرفة أن المدينة تنتشر فيها الألغام الأرضية وبقايا الذخائر غير المنفجرة، مما يجعلها بيئة خطيرة جداً على الحياة. تحولت الشوارع والمنازل إلى حقول ألغام غير مرئية، تهدد أي شخص يخطو فيها. هذا الخطر الدائم يحول دون أي محاولة للعودة الآمنة، ويجعل من عملية تطهير المدينة من المتفجرات مهمة طويلة وشاقة تتطلب موارد وتدريباً خاصاً.
نداء عاجل لتأجيل العودة
دعت غرفة طوارئ بابنوسة الأهالي بشكل عاجل إلى عدم التسرع في العودة في الوقت الراهن. يأتي هذا النداء حفاظاً على سلامتهم ومنعاً لحدوث إصابات جديدة بين المدنيين. أوضحت الغرفة أن مناطق عدة داخل المدينة لا تزال غير آمنة، ولم يتم مسحها أو تطهيرها من المخلفات الحربية والعبوات الناسفة التي خلفتها المعارك.
تعمل الغرفة على تنسيق الجهود مع الجهات الفنية والمتطوعين للتأكد من أن المدينة أصبحت صالحة للسكن مرة أخرى. يشمل هذا جهداً منظماً لفحص البنية التحتية وتقييم الأضرار وبدء عمليات إزالة الألغام. حتى اكتمال هذه العمليات، ستظل العودة محفوفة بمخاطر جسيمة تهدد حياة الأطفال والكبار على حد سواء.
تقييم ميداني قبل العودة
أعلنت غرفة طوارئ بابنوسة عن توجه فريق من المتطوعين إلى المدينة أولاً. سيقوم هذا الفريق بتقييم ميداني دقيق للوضع الأمني والإنساني على الأرض. هدف هذه الزيارة الاستطلاعية هو التحقق من مدى استقرار الوضع، وتحديد المناطق الآمنة نسبياً، ورصد المخاطر المتبقية التي قد تكون غير مرئية في التقارير الأولية.
سيضمن هذا التقييم أن أي قرار بالعودة لا يعرض الأهالي للخطر. يجب أن تمر العودة بمراحل تدريجية، تبدأ بفرق متخصصة ثم عودة محدودة لأهالي مناطق معينة تم تطهيرها بشكل كامل. العشوائية في العودة قد تؤدي إلى كوارث إنسانية جديدة، خاصة مع وجود تقارير عن احتجاز من تبقى في المدينة أو عادوا إليها مبكراً.
تصعيد عسكري مكثف
صعدت قوات الدعم السريع من هجماتها بالتزامن مع تحركات الجيش في ولاية جنوب كردفان. خلال الأيام الماضية، كثفت قوات الدعم السريع ضرباتها على مقر الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش في بابنوسة. تمثل هذه الهجمات جزءاً من استراتيجية عسكرية أوسع تهدف إلى السيطرة على المواقع الاستراتيجية وتوسيع النفوذ في منطقة كردفان الغنية بالموارد.
شهدت المدينة يوم الاثنين الماضي معارك ضارية انتهت بإعلان الدعم السريع سيطرتها الكاملة على المدينة والمقر العسكري. اتهمت قوات الدعم السريع الجيش بخرق هدنة أعلنتها من جانب واحد في 24 نوفمبر الماضي، مدعية أن قواتها "اضطرت للرد على الهجمات". هذا الاتهام يخلق حالة من الإنكار المتبادل للمسؤولية عن تصاعد العنف، بينما يدفع المدنيون ثمن المواجهات.
اتهامات متبادلة وانكار
رفض الجيش السوداني في بيان رسمي يوم الثلاثاء الماضي ادعاءات الدعم السريع. أكد الجيش أنه أحبط الهجوم على بابنوسة، وأن قوات الدعم السريع واصلت مهاجمة المدينة رغم إعلانها الهدنة من جانب واحد. يشير هذا التبادل في الاتهامات إلى حالة من انعدام الثقة الكامل بين الطرفين، وعدم وجود أي نية حقيقية لوقف إطلاق النار أو احترام اتفاقات الهدنة، حتى تلك التي يعلنونها بأنفسهم.
يؤكد هذا الانكار المتبادل استمرار دورة العنف دون أي أفق للحل السياسي. تحولت المدينة إلى ورقة مساومة عسكرية، حيث يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب تكتيكية على الأرض على حساب الأمن والاستقرار الإقليمي. تظهر هذه الحالة كيف يمكن للأطراف المتحاربة أن تستخدم الخطاب الإعلامي لتبرير انتهاكاتها وتشويه صورة الخصم، بينما الحقيقة على الأرض هي معاناة المدنيين.
أهمية إستراتيجية للمدينة
تعد بابنوسة من أهم محطات التقاطع في شبكة السكك الحديدية السودانية الوطنية. تربط هذه الشبكة بين أقاليم البلاد المختلفة، مما يجعل المدينة عقدة نقل حيوية للبضائع والركاب. تعطل حركة القطارات عبر بابنوسة يشل حركة التجارة والتموين بين مناطق السودان، ويزيد من عزل المناطق النائية ويرفع تكلفة المعيشة في جميع أنحاء البلاد.
تضم المدينة عدداً من الورش الهندسية الرئيسية التي كانت تخدم قطاع السكك الحديدية. تحول هذه الورش الآن إلى ساحات قتال أو تم تدميرها، مما يعني خسارة البنية التحتية الفنية اللازمة لإصلاح وصيانة القطارات. هذا الدمار سيطيل أمد أزمة النقل في السودان لسنوات حتى بعد توقف القتال، مما يعمق الأزمة الاقتصادية ويعيق جهود الإعمار.
موجات نزوح مستمرة
منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، لم تهدأ المواجهات في مدينة بابنوسة. تحولت المدينة إلى ساحة قتال مستمرة، ما تسبب في موجات نزوح واسعة ومتكررة للسكان. كل موجة عنف جديدة تدفع بمجموعات إضافية إلى الفرار، بينما تمنع النازحين السابقين من العودة، مما يخلق حالة من التهجير الدائم لفئة كبيرة من السكان.
أدى استمرار القتال إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بين المدنيين العزل. تفتقر المستشفيات والعيادات الطبية إلى الإمكانيات اللازمة لاستقبال ومعالجة هذه الأعداد، مما يزيد من نسبة الوفيات بين الجرحى. تحولت الحياة في المدينة ومن حولها إلى جحيم يومي، حيث الخوف من القصف والاعتقال والموت هو السائد.
إعادة انتشار عسكري
نقل الجيش السوداني معظم قوات اللواء 91 من مدينة الفولة، عاصمة ولاية غرب كردفان، إلى بابنوسة. جاءت هذه الخطوة بعد هجوم الدعم السريع على الفولة في 20 يونيو 2024، مما يشير إلى إستراتيجية دفاعية تركز على حماية المواقع الاستراتيجية الأكثر أهمية. يقع مقر الفرقة 22 في بابنوسة، مما يجعلها مركز القيادة العسكرية الإقليمي الذي يجب الدفاع عنه بأي ثمن.
يعكس هذا الانتشار الأولوية العسكرية للجيش في المرحلة الحالية، وهي الحفاظ على مراكز القيادة والمواقع ذات القيمة التكتيكية العالية. لكن هذه الإستراتيجية تترك مناطق أخرى أقل حماية، وقد تشجع قوات الدعم السريع على توسيع سيطرتها في المناطق التي تم إخلاؤها. يخلق هذا ديناميكية متغيرة من السيطرة والنفوذ تجعل الوضع الأمني عاماً غير مستقر.
استهداف مدن مهجورة
بعد سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في 26 أكتوبر الماضي، كثفت قوات الدعم السريع عملياتها ضد بابنوسة. المثير أن المدينة كانت قد خلت بالفعل من السكان تقريباً، مما يعني أن الهدف العسكري أصبح واضحاً دون أي اعتبار لوجود المدنيين. تقع بابنوسة على مسافة نحو 697 كيلومتراً جنوب غرب الخرطوم، مما يجعلها بعيدة نسبياً عن العاصمة ولكنها حيوية للسيطرة على غرب السودان.
يشير هذا التوقيت إلى إستراتيجية متسلسلة لقوات الدعم السريع تهدف إلى السيطرة على العواصم والمدن الإقليمية الكبرى. كل سقوط لعاصمة ولاية يعزز من نفوذهم السياسي والعسكري، ويضعف من شرعية الجيش وسلطته المركزية. تحولت الحرب من مواجهات متفرقة إلى معركة للسيطرة على الجغرافيا السياسية للسودان.
نزوح كامل للسكان
أعلنت غرفة طوارئ بابنوسة في 9 نوفمبر الماضي نزوح جميع سكان المدينة البالغ عددهم 177 ألف نسمة. أكدت الغرفة أن نسبة النزوح بلغت 100%، وهو رقم كارثي يعكس حجم المأساة الإنسانية. لم يعد في المدينة سكان مدنيون، بل تحولت إلى ثكنة عسكرية وموقع استراتيجي يتقاتل عليه الطرفان بأسلحة ثقيلة ودون أي مراعاة للدمار الذي يلحق بالبنية التحتية.
تحولت بابنوسة إلى نموذج صارخ لما يسمى "مدن الأشباح" التي تخلى عنها سكانها بالكامل بسبب الحرب. هذا النزوح الكامل ليس مؤقتاً في معظم الحالات، حيث فقد الناس منازلهم ومصادر رزقهم وممتلكاتهم. حتى إذا توقفت الحرب غداً، فإن إعادة بناء المدينة وإعمارها واستعادة الحياة الطبيعية فيها ستستغرق سنوات طويلة وتستلزم استثمارات هائلة.










