يشهد التعاون الدفاعي بين تركيا والمجر مرحلة توسع غير مسبوقة، بعد توقيع سلسلة من الاتفاقيات بين شركات رائدة من البلدين، في إطار اتفاقية الإطار الشاملة التي وُقعت خلال زيارة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى أنقرة ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان. وتمثل هذه الاتفاقيات امتداداً لعلاقات ثنائية متنامية في مجال الصناعات الدفاعية، وتوجهاً مشتركاً نحو بناء قدرات عسكرية وتقنية عالية المستوى تتماشى مع متطلبات الأمن الإقليمي والدولي.
وتسعى أنقرة وبودابست من خلال هذه الشراكات إلى تعزيز التكامل الصناعي وتطوير منتجات دفاعية متقدمة، بما يعكس رغبة البلدين في تنويع مصادر التسليح وتقليل الاعتماد على الأنظمة الغربية التقليدية، رغم استمرار التزام المجر بمعايير حلف شمال الأطلسي (ناتو).
شراكات صناعية جديدة مع تركيا
بالتوازي مع الاتفاق الحكومي، وقعت شركتا "أسيلسان" و"نورول ماكينا" التركيتان اتفاقيات تعاون مع شركة "4iG" المجرية المتخصصة في تقنيات الفضاء والدفاع. وبموجب هذه التفاهمات، ستحصل الشركة المجرية على حق التوزيع الحصري لمركبات “غيردان” المدرعة رباعية الدفع في السوق المجري حتى عام 2030، ما يمنحها دوراً محورياً في تأمين احتياجات المؤسستين العسكرية والأمنية في بودابست.
وتُعد مركبات “غيردان” النسخة المجرية من مركبات “أجدر يالتشين” المصنعة في تركيا، وهي مركبات عالية الحماية والقدرة على العمل في مختلف البيئات، وقد طُرح منها حتى الآن أكثر من 100 مركبة في الخدمة. ويمثل هذا النوع من المركبات أحد أبرز منتجات الصناعات الدفاعية التركية التي نجحت في السنوات الأخيرة في بناء سمعة عالمية في مجال المركبات التكتيكية.
ويتضمن الاتفاق نقل جزء من عمليات الإنتاج إلى مدينة “جيور” المجرية، بما يشمل تجميع المركبات وتصنيع بعض النظم الفرعية محلياً، وهو ما يُعد خطوة متقدمة في مسار التعاون الصناعي بين البلدين، ويمثل انتقالاً من مرحلة التوريد إلى شراكة إنتاج مشترك. وتعمل الجهات التركية والمجرية حالياً على وضع سلاسل توريد متكاملة، تُمهّد لبدء الإنتاج المحلي الواسع العام المقبل، مع خطة لإنتاج أكثر من 400 مركبة جديدة، ما يعني رفع عدد المركبات الحالية في المجر خمسة أضعاف.
مشاريع دفاعية متقدمة بين تركيا والمجر
لم تقتصر الاتفاقيات على المركبات المدرعة، إذ وقعت شركة “4iG” اتفاقية أخرى مع “أسيلسان” لإنشاء مشروع مشترك داخل المجر يركز على تطوير أنظمة أسلحة يتم التحكم فيها عن بُعد، وتقنيات مضادة للطائرات بدون طيار، ومنظومات للدفاع الجوي. وتكتسب هذه المشاريع أهمية خاصة في ظل التحولات الأمنية الإقليمية، وارتفاع الطلب على أنظمة مواجهة المسيّرات التي باتت جزءاً رئيسياً من الحروب الحديثة.
وتهدف هذه الشراكة إلى تعزيز قدرات المجر الصناعية في مجال الصناعات الدفاعية المتقدمة، عبر نقل التكنولوجيا وتطوير منتجات تتماشى مع معايير الناتو. كما تعزز مكانة تركيا كشريك تكنولوجي موثوق في أوروبا الشرقية، وتفتح أمامها منافذ جديدة للتصدير والتصنيع المشترك داخل الاتحاد الأوروبي.
التقارب الدفاعي التركي–المجري وموازين القوى الإقليمية
يأتي هذا التعاون في سياق أوسع من التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة الأوروبية الأطلسية. فالمجر، رغم عضويتها في الاتحاد الأوروبي والناتو، تحافظ على علاقات خاصة مع تركيا تقوم على الانفتاح السياسي والاقتصادي، وعلى رغبة مشتركة في تنويع مصادر التسليح بعيداً عن التبعية التقليدية للولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا.
وتمثل هذه الاتفاقيات فرصة لتركيا لتعزيز حضورها في سوق الصناعات الدفاعية الأوروبية، وللمجر في المقابل لتحديث قدرتها الدفاعية بتكاليف أقل وتكنولوجيا أكثر مرونة. كما تسهم الشراكات الصناعية في تعزيز موقع بودابست داخل الناتو عبر امتلاكها منتجات متوافقة مع منظومات الحلف، ما يرفع من قدرتها على لعب دور أمني أكبر في أوروبا الوسطى.
ومن منظور إقليمي، يعكس هذا التقارب نمواً في شبكة العلاقات التركية داخل أوروبا الشرقية، مقابل صعود أدوار جديدة تتحدى الاحتكار التقليدي لصناعة السلاح في القارة. كما يفتح المجال أمام تعاون ثلاثي محتمل مع دول أوروبية أخرى ترى في التكنولوجيا الدفاعية التركية خياراً عملياً ومجدياً.
مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية
تكشف الاتفاقيات الدفاعية الموقعة بين تركيا والمجر عن مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية تقوم على التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا ومشاريع دفاعية متقدمة. وهو تعاون يتجاوز كونه تبادلاً تجارياً ليشكل رافعة سياسية وعسكرية في بيئة إقليمية معقدة.
وبينما تسعى أنقرة إلى تعزيز نفوذها الصناعي والعسكري في أوروبا، تعمل بودابست على بناء قدرات دفاعية ذاتية أكثر استقلالية. أما على المستوى الإقليمي، فإن هذا التقارب قد يشكل نموذجاً لشراكات دفاعية جديدة تعكس تحولات في موازين القوى داخل أوروبا الشرقية وفي العلاقة مع الناتو.










