أظهر تقرير جديد نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كان قد أعد قبل هجوم طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 خططًا تفصيلية تستهدف اغتيال قيادات حماس في غزة، وعلى رأسهم الشهيدين القائدين يحيى السنوار ومحمد الضيف، إلا أن القيادة السياسية أحبطت تنفيذ تلك الخطط. وتشير الصحيفة إلى أن تل أبيب حرصت آنذاك على الحفاظ على “هدوء مصطنع”، كان يخدم حسابات سياسية داخلية أكثر مما يخدم الأمن، في استمرار لنمط إدارة الاحتلال للأزمة بدل معالجتها.
وتكشف الشهادات التي قُدمت أمام طاقم التحقيق العسكري، برئاسة الجنرال الاحتياطي سامي ترجمان، عن انقسام حاد بين المستويين العسكري والسياسي. وتفيد هذه الشهادات بأن قائد القيادة الجنوبية إليعزر توليدانو وضع خطة رباعية المراحل تشمل اغتيالات، وتدمير منشآت تصنيع السلاح، وشن غارات جوية مكثفة، يعقبها اجتياح بري محدود بثلاث فرق نظامية. غير أنّ القرار النهائي ظل محتجزًا عند القيادة السياسية التي فضّلت بقاء الوضع على ما هو عليه.
حسابات نتنياهو وغالانت
توضح المعطيات أنّ رئيس الأركان آنذاك، هيرتسي هليفي، كان منحازًا لمنح الأولوية للجبهة الشمالية في مواجهة حزب الله، بينما تمسّك المستوى السياسي بقيادة بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت بمنع أي عمل واسع في غزة خلال فترات الهدوء. ويؤكد التقرير أن هذا النهج جاء في سياق المحافظة على التوازن الهش القائم، رغم إدراك المؤسسة العسكرية لخطورة ترك حماس تطوّر قدراتها دون ردع فعلي.
وتزعم الصحيفة أن نتنياهو “عمل لسنوات على إبقاء حماس في الحكم”، في إطار مقاربة تقوم على إدارة الخصم بدل تغييره، من دون استهداف البنية الأساسية للحركة إلا لضربات تكتيكية مؤقتة. وتبرز الوثيقة أن الخطة التي صاغتها القيادة الجنوبية لم تكن تهدف إلى إسقاط الحركة، بل توجيه ضربة قاسية لها بغرض ردعها سنوات إضافية، لكنّ حسابات نتنياهو السياسية غلبت على التقديرات العسكرية.
تضارب روايات الجيش
تُظهر الشهادات المقدمة أمام لجنة التحقيق وجود اختلافات جوهرية داخل الجيش بشأن مسار اتخاذ القرار. فوفق شهادة أولى، رفضت هيئة الأركان خطتي الاغتيال والاجتياح مرتين خلال عام ونصف، بينما قدم ضابط آخر رواية معاكسة تمامًا، إذ أكد أن جهاز الشاباك كان المبادر لطرح اغتيال السنوار والضيف في مايو 2022 عقب عملية “إلعاد”، وأن القيادة الجنوبية أعادت الطرح في أبريل 2023 بعد إطلاق صواريخ من غزة.
وتشير الإفادة ذاتها إلى أن رئيس الشاباك رونين بار دعم بشدة تلك السيناريوهات، معتبرًا أن الظرف العملياتي ملائم، في حين تحفظ رئيس الأركان هليفي بدعوى أن الظروف السياسية غير ناضجة لاتخاذ قرار بهذا الحجم. ويعكس هذا التضارب حجم الارتباك داخل المؤسسة العسكرية، في وقت كانت فيه مؤشرات انهيار الردع الإسرائيلي تتراكم دون معالجة.
تجاهل خطة “جدار أريحا”
من الشهادات اللافتة ما كشفه الضباط عن العثور خلال الاجتياح البري في غزة على مواد رقمية في حواسيب حماس تشير إلى نية الحركة تنفيذ خطة أطلقت عليها إسرائيل اسم “جدار أريحا” في أبريل 2023، مستفيدة من الانقسام الداخلي الشرس في إسرائيل واحتجاجات الإصلاح القضائي. وتوضح الشهادات أن هذه المعلومة لم تُعرض على المستوى السياسي ولا على رئيس الأركان حينها، ما يشير إلى قصور واضح في منظومة نقل المعلومات داخل الجيش.
وتؤكد هذه التفاصيل أن الجيش وقع في فجوة خطيرة بين المعلومات المتوفرة وبين القدرة على تحويلها إلى قرار عملياتي. كما تعكس مدى الاستهانة بالوقائع التي كانت تتشكل في غزة قبيل هجوم أكتوبر، في وقت كان الجيش منشغلًا بدرجة كبيرة بالجبهة الشمالية وترتيبات المواجهة مع حزب الله وإيران.
أولوية الجبهة الشمالية
تُجمع الشهادات على أن الأشهر التي سبقت هجوم طوفان الأقصى شهدت ارتفاعًا في حالة التأهب شمالًا في أعقاب حادثة “مفترق مجدو”، ما دفع القيادة السياسية إلى إعادة التأكيد على ضرورة إبقاء غزة “جبهة ثانوية وهادئة”. ويشير هذا التوجه إلى أن تقديرات القيادة الإسرائيلية كانت تقرأ الخطر في اتجاه واحد، وفقا للصحيفة.
وتؤكد الصحيفة أن ميل نتنياهو للموافقة على عمليات نوعية كان يرتبط غالبًا باعتبارات سياسية داخلية أكثر منها أمنية. ويضرب التقرير مثالًا بعملية اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا عام 2019، التي نُفذت بعد ضغوط من القيادات العسكرية وفي ظل إحراج سياسي لرئيس الوزراء. ويعكس هذا السلوك طبيعة العلاقة المضطربة بين الاعتبارات الأمنية والرهانات السياسية داخل منظومة الحكم الإسرائيلية.







