شكّل اغتيال المقدم أحمد زمزم، الضابط في جهاز الأمن الداخلي، صباح الأحد داخل مخيم المغازي بالمحافظة الوسطى، حدثاً أمنياً بالغ الخطورة في توقيت يتسم أصلًا بهشاشة المشهد الميداني في قطاع غزة. الجريمة، التي نُفذت بإطلاق نار مباشر من مسلحين استهدفوا مركبته قبل الفرار من المكان، لم تكن مجرد حادث جنائي عابر، بل جاءت في سياق معقد يتقاطع فيه الأمن الداخلي مع تطورات ميدانية وسياسية أشمل، ما يضفي عليها أبعاداً تتجاوز الفعل الإجرامي ذاته.
وزارة الداخلية أعلنت سريعاً فتح تحقيق فوري، مؤكدة توقيف أحد المشتبهين ومواصلة ملاحقة باقي المتورطين لكشف ملابسات الاغتيال ودوافعه. هذا التحرك السريع يعكس إدراك الأجهزة الأمنية لحساسية الحادث وخطورته على الاستقرار الداخلي، خصوصاً أن المستهدف ضابط رفيع في جهاز معني مباشرة بحفظ الأمن والنظام في بيئة تعيش أصلاً تحت ضغط الحرب والحصار.
تفاصيل التنفيذ ورسائل القوة الخفية في غزة
بحسب المعطيات المتداولة، نفذ المسلحون عملية الاغتيال باستخدام دراجات كهربائية، وأطلقوا عدة رصاصات بشكل مباشر على مركبة المقدم زمزم قبل الانسحاب السريع باتجاه الجنوب. هذا الأسلوب يشير إلى تخطيط مسبق ومعرفة دقيقة بتحركات الهدف، ويعكس قدرة على التنفيذ في منطقة مكتظة بالسكان، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الجهة المنفذة، وما إذا كانت الجريمة تحمل طابعاً جنائياً داخلياً، أو تقف خلفها دوافع أمنية أعمق تتصل بمحاولات زعزعة الجبهة الداخلية.
الطريقة ذاتها توجّه رسالة خطيرة مفادها أن السلاح المنفلت أو الجهات الخارجة عن القانون قادرة على الضرب في عمق المخيمات، وهو ما يضاعف من العبء الواقع على الأجهزة الأمنية التي تعمل في ظروف استثنائية، مع محدودية الموارد وتحت حصار خانق.
الاغتيال في سياق تصعيد إسرائيلي متزامن
لا يمكن فصل هذه الجريمة عن السياق الزمني الذي وقعت فيه، إذ جاءت بعد أقل من 24 ساعة على إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الشاباك اغتيال القيادي رائد سعد، الرجل الثاني في كتائب القسام، بغارة جوية استهدفت مركبته غرب مدينة غزة. هذا التصعيد الإسرائيلي شكّل خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، وأعاد مناخ التوتر والقلق إلى الشارع الغزي.
هذا التزامن الزمني يفتح الباب أمام قراءات متعددة، أبرزها أن التصعيد الخارجي قد يخلق بيئة خصبة لمحاولات العبث بالأمن الداخلي، سواء عبر استغلال حالة الاحتقان، أو عبر بث الفوضى لإضعاف تماسك الجبهة الداخلية في لحظة حساسة. كما أن تكرار الاغتيالات، سواء بغارات الاحتلال أو بعمليات إطلاق نار داخلية، يعمّق شعور عدم الأمان لدى المواطنين.
الانعكاسات الأمنية داخل قطاع غزة
أمنياً، يمثل اغتيال ضابط في جهاز الأمن الداخلي تحدياً مباشراً لهيبة المؤسسة الأمنية في غزة، ويضعها أمام اختبار صعب يتمثل في سرعة كشف الجناة وتقديمهم للعدالة، ومنع تحول الحادث إلى سابقة تشجع على تكرار مثل هذه الجرائم. أي تراخٍ أو تأخير في الحسم قد يفتح المجال أمام تصاعد ظاهرة الاغتيالات الداخلية، ويقوض منظومة الضبط والسيطرة، خصوصاً في المخيمات المكتظة التي تشكل بيئة معقدة للعمل الأمني.
في المقابل، فإن التعامل الحازم والشفاف مع القضية يمكن أن يعزز الثقة الشعبية بالأجهزة الأمنية، ويؤكد قدرتها على حماية كوادرها والمجتمع رغم الظروف القاسية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل استمرار التهديدات الخارجية والانفلات المحتمل.
تداعيات اجتماعية ونفسية على المجتمع في غزة
اجتماعياً، تركت الجريمة أثراً صادماً في أوساط سكان مخيم المغازي والقطاع عموماً. اغتيال شخصية أمنية معروفة داخل مخيم للاجئين يعمّق شعور الخوف والقلق لدى الأهالي، ويعيد إلى الواجهة هواجس الانفلات الأمني، خاصة في ظل ما يعانيه المجتمع من إرهاق نفسي جراء الحرب الطويلة، والخسائر البشرية، وتدهور الأوضاع المعيشية.
كما أن هذه الحوادث قد تساهم في تآكل الإحساس بالأمان داخل الفضاءات السكنية، وتزيد من حالة التوتر الاجتماعي، ما يستدعي معالجة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تشمل تعزيز الخطاب المجتمعي الداعي إلى التماسك الداخلي، وتجفيف منابع العنف، وحصر السلاح بيد الجهات المختصة.
بين ضرورة الحسم وخطر الانزلاق الداخلي
في المحصلة، يكشف اغتيال المقدم أحمد زمزم عن مرحلة دقيقة يمر بها قطاع غزة، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع تحديات الداخل. الحفاظ على الاستقرار الأمني والاجتماعي بات مهمة شاقة تتطلب حسمًا أمنيًا سريعًا، إلى جانب معالجة أعمق لجذور التوتر، ومنع أي جهة من استثمار حالة الحرب والانهاك لزرع الفوضى.
الرسالة الأهم في هذه اللحظة هي أن صلابة الجبهة الداخلية تبقى خط الدفاع الأول في مواجهة الاحتلال، وأن أي اختراق أمني داخلي، مهما بدا محدوداً، يحمل تداعيات خطيرة إذا لم يُواجه بحزم وعدالة وشفافية.










