في حديث خاص لموقع 180 تحقيقات، يقدّم الباحث السياسي والحقوقي الفلسطيني ساري سعد، مدير مركز اتجاهات للدراسات والأبحاث، قراءة تحليلية معمّقة في استهداف القيادي في كتائب القسّام رائد سعد، واضعًا الحدث ضمن سياقه السياسي والعسكري والإعلامي، ومحللًا تداعياته الآنية والمستقبلية، وحدود تأثيره الحقيقي على بنية المقاومة ومسار المواجهة مع الاحتلال.
الدلالة والتوقيت… استهداف بحسابات نفسية–سياسية
يرى ساري سعد أن التعاطي الإعلامي الإسرائيلي مع استهداف رائد سعد لم يكن تفصيليًا أو تقنيًا، بل جاء في توقيت محسوب بدقة يخدم أهدافًا مركّبة تتجاوز الحدث نفسه، فالتوقيت يرتبط، بحسب التحليل، بسياق ميداني مأزوم، وضغط داخلي إسرائيلي متصاعد، وحاجة واضحة لدى المؤسسة السياسية والعسكرية لإنتاج “إنجاز قابل للتسويق” في ظل تعثّر تحقيق أهداف استراتيجية كبرى.
ويؤكد سعد أن الدلالة الأساسية للاستهداف لا تكمن في كونه يعكس تحولًا ميدانيًا حاسمًا، بل في كونه محاولة لملء فراغ الإنجاز، وبث رسالة للداخل الإسرائيلي مفادها أن الجيش ما يزال قادرًا على الوصول إلى “أهداف نوعية”، حتى وإن بقيت نتائج ذلك محدودة التأثير على مسار المواجهة.
ثانيًا: إعادة تشكيل المشهد التحليلي… فرضيات إعلامية هشة
يشير الباحث الفلسطيني إلى أن الإعلام الإسرائيلي حاول، عبر تضخيم الحدث، تثبيت ثلاث فرضيات مركزية منها توجيه ضربة موجعة للبنية القيادية لكتائب القسّام وإرباك منظومة القيادة والسيطرة داخل التنظيم والاقتراب من نقطة تحوّل في مسار المواجهة.
وغير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث، وفق سعد، تُظهر أن هذه الفرضيات لم تصمد طويلًا. فلم تظهر أي مؤشرات على ارتباك تنظيمي، ولا خلل عملياتي واضح، ولا تغيّر في نمط الأداء الميداني للمقاومة. وبقي ما جرى محصورًا في الإطار الدعائي والإعلامي، دون أن يتحول إلى إنجاز فعلي في ميزان القوة، هذا الفشل يعكس عجز الاحتلال عن تحويل واقعة أمنية محدودة إلى مكسب استراتيجي مستدام.
الاستهداف في سياق العمليات العسكرية
من الناحية العسكرية، يضع ساري سعد هذا الاستهداف ضمن نمط متكرر تلجأ إليه إسرائيل عندما تتعثر العمليات البرية و تفشل محاولات فرض السيطرة الميدانية ويتآكل الردع الذي تسعى إلى تكريسه.
في مثل هذه الظروف، تعتمد إسرائيل على ما يُعرف باستراتيجية “قطع الرأس”، باعتبارها أداة تعويضية عن الفشل في تفكيك البنية الكلية للتنظيمات المقاومة. غير أن التجربة التاريخية، سواء في غزة أو في ساحات أخرى، تثبت – بحسب سعد – أن هذه الاستراتيجية قد تُنتج أثرًا تكتيكيًا محدودًا، لكنها تفشل في تحقيق نتائج استراتيجية أمام تنظيمات لامركزية ذات عقيدة مؤسسية راسخة.
التداعيات العسكرية والأمنية
على المدى القصير
يُرجّح سعد أن يكون الأثر المباشر للاستهداف محصورًا في ضجيج إعلامي أكبر من الأثر الفعلي وتشديد إجراءات أمنية داخلية احترازية وغياب أي شلل أو تراجع في الأداء الميداني.
على المدى المتوسط
قد يؤدي الاستهداف إلى إعادة توزيع الأدوار داخل البنية التنظيمية وبروز قيادات أقل ظهورًا وأكثر تحصينًا وتعزيز العمل اللامركزي بدل إضعافه.
على المدى الاستراتيجي
يؤكد سعد أن الاستهداف لم يُحدث تغييرًا في قواعد الاشتباك وردعًا طويل الأمد وكسرًا في المنحنى التصاعدي للخبرة التنظيمية.
التأثير التنظيمي على القسّام وحماس
يشدد ساري سعد على أن الحديث عن فراغ قيادي نتيجة استهداف شخصية بحجم رائد سعد يعكس سوء فهم لطبيعة التنظيم. فكتائب القسّام وحركة حماس تعملان وفق نموذج مؤسسي يقوم على تعددية مراكز القرار ووجود بدائل جاهزة لكل موقع قيادي وفصل نسبي بين الأشخاص والوظائف.
هذا النموذج، الذي جرى اختباره عبر سنوات طويلة من الاستهدافات، أثبت قدرته على امتصاص الصدمات دون انهيار أو تعطّل، ما يجعل التأثير التنظيمي محدودًا، ولا يرقى إلى مستوى الاختراق البنيوي.
رائد سعد في الوعي الغزّي
في الوجدان الشعبي في غزة، تُقاس مكانة القادة – كما يوضح سعد – لا بحجم حضورهم الإعلامي، بل بسيرتهم وثقة الناس بهم ودورهم الفعلي. ويُنظر إلى رائد سعد بوصفه: قياديًا ميدانيًا من طراز العمل الصامت ونموذجًا لقيادة الظل لا المنبر وجزءًا من مسار طويل من القيادات التي لم تربط المشروع بأسمائها.
ولذلك، لم يتخذ تأثير الحدث مجتمعيًا طابع الصدمة، بل جرى استيعابه ضمن سياق عام اعتادت فيه غزة على الفقد، دون أن تربط استمرار المشروع ببقاء الأفراد.
الخلاصة الاستراتيجية
يخلص الباحث السياسي والحقوقي ساري سعد إلى مجموعة خلاصات مركزية ما جرى لا يُشكّل تحولًا استراتيجيًا في مسار المواجهة والاستهداف بقي في الإطار التكتيكي ولم يُنتج نتائج حاسمة ولا فراغ قيادي ولا اهتزاز بنيوي والتنظيمات ذات الجذور المجتمعية والعقائدية لا تنهار باستهداف الأسماء والحدث يعكس مأزقًا في إدارة الصراع أكثر مما يعكس تفوقًا حاسمًا.
ووفق ساري سعد، فإن الصراع في هذه المرحلة لم يعد صراع أشخاص، بل صراع طويل النفس بين مشروعين متناقضين. وفي هذا النوع من الصراعات، تفقد سياسة الاستهدافات قيمتها كلما طال الزمن، فيما تبقى العوامل البنيوية، والمجتمعية، والعقائدية هي الحاسمة في رسم مآلات المواجهة.










