4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

السيسي في واشنطن: تأكيد الثوابت المصرية وكبح هندسة الشرق الأوسط

يأتي الحديث عن الزيارة المرتقبة للرئيس السيسي إلى واشنطن، في سياق مختلف عن الذي برز في زيارة مماثلة مطلع هذا العام، عند دعوة الرئيس ترامب إلى «تهجير الفلسطينيين» .

بقلم: عبدالرحمن كمال
١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
9 دقائق قراءة
18 مشاهدة
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الأمريكي ترامب خلال اجتماع بينهما في أكتوبر الماضي

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الأمريكي ترامب خلال اجتماع بينهما في أكتوبر الماضي

كشفت وسائل إعلام أمريكية، الجمعة، أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي سيزور واشنطن الشهر الحالي؛ لإجراء محادثات مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب. تتضمَّن مجموعةً من القضايا الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك العلاقات بين مصر وإسرائيل في أعقاب الحرب على غزة، وقضية «سد النهضة» الإثيوبي، وفق ما نشره موقع «ذا ناشيونال».

تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس السيسي إلى واشنطن في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها ملفات الحرب على غزة، ومستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وأزمة سدّ النهضة، مع محاولات أمريكية لإعادة ترتيب الإقليم وفق مقاربة أمنية وسياسية جديدة. فالزيارة، التي أُجّلت سابقًا بسبب رفض القاهرة القاطع لمشروعات التهجير والتطهير العرقي في غزة، تعود اليوم في سياق مختلف، تحكمه معادلة فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، وتآكل الرهان على الحلول العسكرية، مقابل تصاعد الحاجة الأمريكية إلى شريك إقليمي قادر على ضبط الإيقاع. وفي هذا المشهد، لا تدخل مصر بوصفها طرفًا يبحث عن تفاهمات جزئية، بل كفاعل مركزي يسعى إلى تثبيت ثوابت واضحة: لا تسوية على حساب الفلسطينيين، لا شرعنة لسياسات الاحتلال، ولا استقرار إقليمي دون احترام الأمن القومي المصري، وفي القلب منه مياه النيل وغزة معًا.

موقف مصري حاسم

وقال الدكتور أسعد العويوي، أستاذ القضية الفلسطينية والعلوم السياسية في جامعة القدس، إنه بات معلوما للجميع رفض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بداية توليه منصبه، عندما كانت الحرب مستعرة والعدوان مستمر على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. منوها أن الرئيس الأمريكي ترامب كان متبنياً لفكرة التطهير العرقي وترحيل سكان غزة إلى الدول المجاورة وخاصة إلى سيناء.

وأوضح "العويوي"، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات" أنه انطلاقا من ذلك، كان الموقف المصري الحاسم في وقف هذا العدوان، وأيضاً بمنع عملية التهجير والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني. مضيفا أنه كان لمصر جهد كبير جداً في إتمام صفقة وقف الحرب من خلال الاتفاق الذي تم بشرم الشيخ برعاية مصرية وعربية وإسلامية وأيضاً بضمانة الولايات المتحدة الأمريكية.

وأكد "العويوي" أن زيارة الرئيس السيسي المرتقبة إلى واشنطن، تأتي في سياق فشل المشروع اليميني الإسرائيلي في تحقيق الأهداف العدوانية للحرب على الشعب الفلسطيني، والتطهير العرقي بقطاع غزة، والتأكيد على أن الحل في هذا الصراع هو إحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وليس فقط إنهاء العمليات العسكرية.

وأشار إلى أن الموقف المصري يصر على أن يكون هناك أفقاً سياسياً للشعب الفلسطيني، وأن تكون الأراضي الفلسطينية وحدة واحدة ما بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

السيسي ممثلا للعرب والمسلمين

ووفقا لـ"العويوي"، تأتي هذه الزيارة أيضاً بالتزامن مع زيارة الرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ونعلم جيداً أن نتنياهو يحاول أن يؤثر على الرئيس ترامب على القيادة الأمريكية في تحقيق الأهداف التي تطالب بها إسرائيل، وهي عدم الالتزام بكل ما تم الاتفاق عليه في شرم الشيخ، ومن خلال ذلك نرى أن هناك تنصلاً كبيراً وتراجعاً عن هذا الاتفاق من قبل الجانب الإسرائيلي، والجانب العربي والإسلامي يصر على تحقيق هذا الاتفاق بكل تفاصيله وبكل معانيه.

وتابع: "وبالتالي تأتي هذه الزيارة لكي يؤكد الرئيس السيسي الذي ليس يمثل فقط مصر أمنياً وإنما هو يمثل كل العالم العربي وكل الأطراف العربية وحتى الإسلامية وحتى هو يمثل وجهة النظر التركية، وهناك تقارب كبير جداً خلال هذه الحرب ما بين تركيا ومصر، ونحن نؤكد على أن الجهد العربي والإسلامي يجب أن يكون موحداً وصوتاً واحداً من خلال جمهورية مصر العربية لما لمصر من تأثير كبير جداً في السياسة الشرق أوسطية وأيضاً ثقلها السياسي والجغرافي والجيوسياسي في المنطقة ".

وشدد "العويوي" على أن قطاع غزة واستمرار العدوان من قبل الإسرائيليين على غزة، سيكون لهما مكانا كبيرا في هذا اللقاء، الذي سيبحث أيضاً مستقبل قطاع غزة. وتوقع أن تؤكد مصر على أن نجاح هذا الاتفاق ونجاح قوة الاستقرار الدولية تكمن في أن يحصل الفلسطينيين على أفق سياسي وأمل بحل عادل لقضيتهم التي أقرها المجتمع الدولي وأقرها مجلس الأمن الدولي بغالبية دول العالم، فأكثر من 160 دولة أقرت بأن الشعب الفلسطيني وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي والفلسطيني يكمن في إعطاء حق تقرير مصير غير قابل للتصرف للشعب الفلسطيني 

وختم "العويوي" تصريحه بالتأكيد على أن نجاح خطة ترامب للسلام لا يمكن أن يتم إلا بتأييد مصر وتأكيد دورها الاستراتيجي في هذه الخطة، لأن مصر لها الدور المركزي في ترتيب العلاقات وترتيب الأمور من خلال واقعها الجيوسياسي المتاخم لقطاع غزة وكيان الاحتلال، وبالتالي لا يمكن أن تتم هذه الخطة إلا بموافقة مصر على كافة تفاصيلها.

لحظة إقليمية معقدة

بدوره، قال د. إسماعيل المسلماني،المختص بالشان الإسرائيلي، إن زيارة السيسي إلى واشنطن تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات: الحرب على غزة، الأزمة السياسية الإسرائيلية، ومحاولات أمريكية لإعادة إنتاج دور قيادي في الشرق الأوسط.

وأوضح "المسلماني"، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، أن تزامن الزيارة مع وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي في واشنطن ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس محاولة أمريكية لاستثمار اللحظة السياسية للضغط باتجاه ترتيبات إقليمية أوسع.

وأكد "المسلماني" أن الحديث عن مساعٍ من ترامب لعقد لقاء بين الرئيس السيسي ونتنياهو، مقابل تأكيدات عبرية برفض السيسي، يحمل دلالات سياسية واضحة، وهي أن مصر ترفض منح نتنياهو شرعية سياسية في ذروة أزمته الداخلية والدولية. مضيفا أن الدلالات أيضا تشمل التأكيد بأن القاهرة لا تقبل بلقاءات رمزية لا ترتبط بمسار سياسي حقيقي ينهي الحرب ويضمن الحقوق الفلسطينية، وأن الرفض يؤكد تمسّك مصر بدورها كوسيط وضامن للاستقرار، لا كشريك في تسويات تُدار أمريكيًا–إسرائيليًا.

غزة.. المحور الأساسي

وحول موقع غزة في أجندة اللقاء، أشار "المسلماني" إلى أن غزة ستكون محورًا أساسيًا في المباحثات، بوصفها العقدة السياسية والأمنية الأبرز في المنطقة حاليًا. النقاش يدور حول عدة نقاط.

ولفت المختص بالشأن الإسرائيلي إلى أن النقطة الأولى تتعلق بالانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، مشددا على أن هذه المرحلة تُعد الأخطر، لأنها تمس مستقبل الحكم في غزة، والترتيبات الأمنية، وإعادة الإعمار. منوها أن مصر ترى أن أي انتقال دون ضمانات سياسية واضحة قد يعيد الانفجار من جديد.

وأضاف أن ثاني النقاط هي تلك المتعلقة بقوة الاستقرار الدولية، فالقاهرة تتعامل بحذر بالغ مع هذا الطرح، وترفض تحويل غزة إلى كيان خاضع لوصاية دولية دائمة. كما أي وجود أمني دولي يمهّد لإعادة السيطرة الإسرائيلية بشكل غير مباشر، وكذلك ترفض بشكل قاطع تحميل مصر مسؤوليات أمنية تتجاوز دورها كوسيط.

وحول تأثير ذلك على “خطة ترامب للسلام”، أوضح "المسلماني" أن الواقع الذي فرضته الحرب يجعل أي محاولة لإحياء الخطة تصطدم برفض مصري وفلسطيني، خاصة إذا تجاهلت الخطة إنهاء الاحتلال، ووحدة الأراضي الفلسطينية، والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.

كما أكد "المسلماني" أن الدور المصري في غزةحاضر بقوة، لكنه مضبوط السقف ومحدد الأهداف. وبين ان هذه الأهداف تتضمن قبول مصر بدور إنساني، أمني، ولوجستي، خصوصًا في المعابر وإعادة الإعمار، لكنها ترفض أن تكون بديلًا عن السلطة الفلسطينية أو أن تتحمل كلفة الاحتلال. كما ترفض إدارة غزة سياسيًا أو أمنيًا بصورة مباشرة، وتشدد على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تمر عبر توافق فلسطيني–فلسطيني، لا حلول مفروضة من الخارج.

وتابع: "هذا الموقف يعكس إدراك القاهرة أن الانخراط الزائد قد يحولها من وسيط إلى طرف في صراع مفتوح".

سد النهضة.. الملف الأخطر

واستطرد "المسلماني" قائلا إن هناك ملف آخر لا يقل أهمية، سيكون موجودا على أجندة السيسي في واشنطن، ألا وهو ملف سد النهضة، الذي يُعد من أهم ملفات الزيارة، وربما الأكثر حساسية بالنسبة لمصر. 

وأشار إلى أن تأكيد الإعلام الأمريكي على حضور هذا الملف القوي يعكس سعي مصر لإعادة تدويل الملف وربطه بالأمن الإقليمي والدولي، ومحاولة انتزاع موقف أمريكي أكثر وضوحًا وضغطًا على إثيوبيا، بعد سنوات من المراوحة.

كما أكد "المسلماني" أن إدراج هذا الملف  على أجندة الزيارة يعني أن الأمن المائي المصري مسألة وجودية لا تقل خطورة عن أي تهديد عسكري أو أمني. وشدد على أن القاهرة تحاول استثمار اللحظة الإقليمية لإيصال رسالة واضحة وهي أنه لا يمكن الحديث عن استقرار الشرق الأوسط مع تجاهل تهديد مباشر لأمن مصر المائي.

وختم "المسلماني" تصريحه بالقول إن الزيارة ليست بروتوكولية، بل زيارة مفصلية تُدار فيها ملفات مترابطة: غزة، إسرائيل، الدور الأمريكي، وسد النهضة. ونوّه أن مصر تدخل هذه المعادلة بثوابت واضحة: لا تطبيع بلا أفق سياسي حقيقي، لا حلول لغزة على حساب الفلسطينيين، ولا تسويات إقليمية تتجاهل حق مصر التاريخي في مياه النيل.

عبدالرحمن كمال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال