العلاقات التركية الأمريكية هي علاقات استراتيجية تمتد منذ القرن التاسع عشر وزادت وتيرتها بعد الحرب العالمية الثانية عندما انضمت الدولة العثمانية إلى صف الحلفاء، وتعتمد علاقة أمريكا بتركيا على 3 عوامل رئيسية هي "الأمن والناتو والاقتصاد"، رغم أن العلاقات تخللها بعض التوترات والخلافات العميقة خاصة حول قضايا مثل دعم الولايات المتحدة للأكراد في سوريا، وشراء تركيا لأنظمة دفاعية روسية (S-400)، وملف فتح الله كولن، وقضية بنك خلق، ومسألة القدس، مع محاولات مستمرة لإعادة التوازن والتفاهم في ظل تغيرات جيوسياسية إقليمية ودولية.
مقومات العلاقات التركية الأمريكية
كما تتعاون الدولة التركية مع الولايات المتحدة في مجالات مكافحة الإرهاب، أمن الطاقة، وحلف الناتو، مع تطلعات لتعزيز الشراكة الاقتصادية (صفقات طيران، تجارة)، وفي 2025 شهدت العلاقات دفعة إيجابية مع مباحثات حول تسهيل بيع طائرات F-16 لتركيا، وانسحاب أمريكي من سوريا، ورغبة في تنسيق مواقف تجاه النفوذ الإيراني والصيني.
العلاقات التركية الأمريكية.. أنقرة متعددة الانحيازات
تتعامل تركيا بقدر كبير من البراجماتية في علاقاتها الخارجية ولذا فهي متعددة الانحيازات، تسعى لتحقيق مصالحها الإقليمية والحفاظ على مكانتها كقوة دولية، مع الحفاظ على عضويتها في الناتو، وتُعد العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة شراكة حيوية ومعقدة، تتأرجح بين المصالح المشتركة والتحديات الجوهرية، وتتأثر بشكل كبير بالتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وحول العالم.
بروز العلاقات التركية الأمريكية
برزت العلاقات التركية الأمريكية بصورة أكبر بعد التنسيق الثنائي في ملفي غزة وسوريا بدرجات متفاوتة من التدخل التركي فيها إذ اعتمدت واشنطن على أنقرة في دعم النظام الجديد في سوريا "أحمد الشرع" لتقليص النفوذ الروسي والإيراني بسقوط نظام بشار الأسد، رغم أن هذا الدور قد أزعج إسرائيل التي تريد أن يكون لها دور فاعل في الدولة السورية الجديدة عبر دعم الدروز واحتلال قطاعات واسعة من الأراضي السورية بحجة حفظ الأمن الإسرائيلي.
إن ما يجري في سوريا اليوم قد يشكل بعداً آخر يتعلق بالأمن القومي التركي مباشرة، مما يفسر ردود الفعل التركية على السلوك الاسرائيلي المتنامي في سوريا، لكن واشنطن حليفة الطرفين والباحثة عن استقرار عبر الوكلاء تحاول ضبط هذا التوتر واحتواء التصعيد بين الجانبين وتجفيف منابع الخوف لكليهما سواء في ما يجري بشمال سوريا بالنسبة إلى أنقرة أو في الجنوب بالنسبة إلى تل أبيب، منعاً لمواجهة قد تكون غير مباشرة على الجغرافيا السورية، مما يعيد دورة الفشل السوري التي تشكل نافذة لدخول اللاعب الإيراني".
الدور التركي لديه درجة قبول من الغالبية الشعبية السورية
يتمتع الدور التركي بدرجة قبول من الغالبية الشعبية السورية، مما يعظم موقف أنقرة ويمنحها حرية للتحرك والاستثمار في الجيوسياسة السورية، ويقلق تل أبيب على المديين المتوسط والبعيد.
في المقابل ترى أنقرة أن سلوك تل أبيب الهادف إلى تغذية النزعات الانفصالية في سوريا وتفتيت جغرافيتها، فضلاً عن علاقتها الوثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يجعل تركيا أمام حال تأهب لمواجهة هذه الاستراتيجية الإسرائيلية التي تهدد بصورة فعلية ومباشرة أعمدة الأمن القومي التركي، لذا يقف الطرفان اليوم أمام خرائط جديدة.
وفي تقرير لصحيفة إندبندنت عربية، قال الباحث السوري محمد السكري، إن التصعيد بين تركيا وإسرائيل في سوريا لم يعُد في مرحلة الخلاف، بل أصبح في مرحلة الصراع، والمؤشرات التي تدل على مزيد من التصعيد هي أكثر من المؤشرات التي تدل على إمكان التهدئة، واليوم وصل التصعيد إلى مرحلة إعلان تركيا قطع العلاقات الاقتصادية كافة مع الجانب الإسرائيلي، على رغم أن أنقرة خلال العقود الماضية كانت حريصة على فصل الملفات عن بعضها، فمثلاً كانت تسير في استراتيجية أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني قطع العلاقات الاقتصادية.
وتابع الباحث السوري، أنه اليوم باتت تركيا تتعامل مع إسرائيل بطريقة مختلفة وبسياسات مختلفة عما كانت عليه في السابق، لذلك نتحدث اليوم عن تطور كبير حتى في الذهنية السياسية التركية، وهذا من علامات الاستشعار بالخطر، وهو مؤشر صراع".
أسباب الصراع الإسرائيلي- التركي
ويرى السكري أن أسباب الصراع الإسرائيلي- التركي تتلخص في سببين، الأول هو تغير الفاعل الإقليمي والثاني هو تغير ما يسمى ’بنية النظام الإقليمي‘، فتبدل اللاعب الإقليمي من إيران إلى تركيا وتحول تركيز إسرائيل من إيران إلى تركيا يعدّان تغيراً لبنية النظام الإقليمي التي تشكل باكورة الأحداث، إذ إن الخروج الإيراني من سوريا وتوسع النفوذ والحضور التركيين تسببا في تغير بنية النظام الإقليمي".
العلاقات التركية الأمريكية وتأثيرها على إسرائيل
وتابع الباحث، أنه لا شك في أن الولايات المتحدة ستقوم بدور مهم جداً على مستوى المفاوضات والوساطة بين الجانبين التركي والإسرائيلي، وعقلية التعامل الأمريكي مع أنقرة مختلفة عن تعاملها مع طهران، لذلك ستسعى الولايات المتحدة كي لا يتوسع هذا الصراع ويتحول إلى حرب. لكن على رغم أن واشنطن غير قادرة على ضبط الهوامش الإسرائيلية، فإنها لا تدعم على الإطلاق وصول الصراع بين أنقرة وتل أبيب إلى مرحلة الحرب، وبالنسبة إلى تركيا فهي ترى أن سوريا هي المساحة المفتوحة بينها وإسرائيل، لذلك تريد أن تكون سوريا دولة مضبوطة بحدود دولية، كي تبقى سوريا فاصلة بين تركيا وإسرائيل".
إسرائيل تنظر إلى تركيا على أنها عدو مقبل
من جانب آخر يقول المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو إن إسرائيل تنظر إلى تركيا على أنها عدو مقبل، فإسرائيل تريد دائماً أن يكون هناك عدو لها بهدف استمرار التأهب العسكري وتواصل المساعدات الأميركية، ومن جانب آخر فإن تركيا توسعت كثيراً خلال الأعوام الأخيرة، فأصبحت اليوم قوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها، لكن على رغم التصعيد تدرك إسرائيل بأن تركيا ليست إيران، بل إنها ثاني أهم قوة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لذلك أعتقد بأن تل أبيب لا تزال تحسب حساباتها تجاه أنقرة بصورة واقعية".
في الموازاة يقول مصدر عسكري إن "التوتر بين تركيا وإسرائيل تصاعد بصورة ملحوظة مع تغير المشهد في سوريا بعد سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024 وتشكل إدارة جديدة برئاسة أحمد الشرع، إذ كثف الجانب الإسرائيلي ضرباته الجوية داخل سوريا، بما في ذلك ضرب قواعد عسكرية ومخازن أسلحة ومنشآت دفاعية للنظام السابق، أما تركيا من جهتها فبدأت بدعم الإدارة الجديدة في دمشق، وحاولت توسيع نفوذها السياسي والعسكري في البلاد عبر إطلاق محادثات جدية مع الحكومة السورية حول وجود عسكري تركي، يشمل قواعد واستخدامات دفاعية ودوراً في الاستقرار. وعلى رغم التوتر بين أنقرة وتل أبيب، فإن الطرفين يسعيان إلى تجنب الاصطدام المباشر، وهناك آليات تنسيق لتفادي الخطأ العسكري أو اشتباكات غير مقصودة بين القوات الإسرائيلية والتركية".
العلاقات التركية الأمريكية.. الولايات المتحدة وسيط لتخفيف التوتر
ويؤكد المصدر العسكري السوري، وجود دور أميركي مباشر لمنع التصعيد بين تركيا وإسرائيل في سوريا، مضيفاً أنه "يمكن للولايات المتحدة أن تضطلع بدور مهم كوسيط لتخفيف التوتر، خصوصاً من خلال تشجيع قنوات التواصل العسكري والدبلوماسي والمشاركة في آليات منع التصادم غير المقصود، إضافة إلى أن لدى واشنطن مصالح أهمها مكافحة تنظيم 'داعش' الإرهابي ومنع عودة إيران، وتركيا يمكنها الإسهام في هذين الهدفين، لذلك يعمل الجانب الأميركي بجدية كبيرة لتشجيع أنقرة وتل أبيب على حل خلافاتهما بالحوار، ويمكنني القول إن هناك خطوطاً حمراء وضعتها واشنطن لكل منهما، ولا يمكن لأي من الطرفين تجاوز هذه الخطوط، مما يعني أن المواجهة المباشرة بينهما لن تحصل".










