العراق لا يواجه نقصاً في الأمطار بقدر ما يواجه نقصاً في القرار. أزمة المياه التي تضرب البلاد اليوم ليست كارثة طبيعية طارئة، بل نتيجة مباشرة لسنوات من الإهمال السياسي، وسوء الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي. الماء، الذي كان أساس نشوء الدولة والحضارة، تحوّل إلى ملف مؤجل تدار تبعاته بالتصريحات لا بالحلول.
مشهد الثلوج في العراق
الأمطار الأخيرة، وحتى مشهد الثلوج التي غطّت جبل سنجار، كرست إعلامياً كعلامة أمل، بينما الواقع يقول شيئاً آخر تماماً: لا سدود جاهزة، لا خزانات كافية، ولا سياسة واضحة لالتقاط هذه الهبات الطبيعية. ما يسقط من السماء يضيع على الأرض، لأن الدولة لم تستثمر يوماً في الخزن بقدر ما استثمرت في الترقيع.
الأرقام الرسمية تفضح حجم الفشل. المخزون المائي الاستراتيجي لا يتجاوز 10 مليارات متر مكعب، مقابل حاجة فعلية تزيد على 18 مليار متر مكعب لتجنب صيف كارثي. عجز يتجاوز 45٪، يقابل بصمت حكومي، وكأن البلاد لا تقف على حافة أزمة غير مسبوقة منذ ثمانية عقود.
مياه العراق
الأخطر أن أكثر من 70٪ من مياه العراق تأتي من خارج حدوده، ومع ذلك لا يمتلك البلد حتى اليوم ورقة ضغط سياسية حقيقية، ولا اتفاقات ملزمة، ولا دبلوماسية مائية فاعلة. تركيا، إيران، وسوريا تدير مصالحها بوضوح، بينما بغداد تكتفي برد الفعل، وتترك مصير ملايين المواطنين مرهوناً بقرارات الآخرين.
دجلة والفرات لم يجفا وحدهما، بل جف معهما التخطيط. العراق يحصل اليوم على أقل من 40٪ من حصته التاريخية، فيما تتقلص الأراضي الزراعية، ينهار الإنتاج المحلي، وتدفع العائلات الريفية قسراً نحو مدن عاجزة أصلاً عن استيعابها. الهجرة الداخلية لم تعد خياراً اقتصادياً، بل نتيجة مباشرة لفشل الدولة في حماية مواردها.
الأزمة تتجاوز الماء لتضرب عمق المجتمع: ارتفاع أسعار الغذاء، اتساع رقعة الفقر، بطالة زراعية، وغضب شعبي يتصاعد مع تقنين المياه وغياب الشفافية. المواطن يطلب منه الصبر، بينما لا تقدم له أي رؤية واضحة للمستقبل.
الحقيقة غير المعلنة هي أن العراق لا يفتقر إلى الحلول، بل إلى الإرادة. إدارة حديثة للموارد المائية، بناء خزانات وسدود فعالة، استثمار المياه الموسمية، وإطلاق دبلوماسية مائية صارمة، كلها خيارات معروفة، لكنها مؤجلة لأن كلفتها سياسية، لا تقنية.
في بلدٍ تغطي الثلوج قممه وتبقى سهوله عطشى، تصبح المشكلة سياسية بامتياز. وإذا استمر التعامل مع الماء كملف ثانوي، فإن الجفاف القادم لن يكون أزمة خدمات، بل أزمة حكم قد تعيد تشكيل علاقة الدولة بمواطنيها.









