لم يعد ما يحدث في مدن الألعاب العراقية مجرد حوادث عرضية يمكن تبريرها بسوء الحظ أو الأعطال المفاجئة ما نشهده اليوم هو نمط متكرر من الفوضى، عنوانه الإهمال، وضحيته أطفال دخلوا هذه الأماكن بحثاً عن الفرح فخرجوا منها مصابين أو مذعورين أو محمولين على أكتاف الخوف.
حادثة اليوم في البصرة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة. لعبة تعمل، أطفال يصعدون، خلل يقع، وإصابات تسجل. المشهد تكرر كثيراً حتى فقد عنصر الصدمة، وكأن إصابة طفل في مدينة ألعاب أصبحت خبراً عادياً لا يستدعي سوى بيان مقتضب ثم صمت طويل.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في اللعبة التي تعطلت اليوم، بل في المنظومة التي سمحت لها بالعمل أصلًا. كيف تشغل ألعاب ميكانيكية خطرة دون فحص دوري حقيقي؟ كيف يُسمح بدخول أعداد تفوق الطاقة الاستيعابية؟ ولماذا تدار هذه المدن بأيد غير مؤهلة، بلا تدريب، بلا خطط طوارئ، وبلا أدنى إحساس بالمسؤولية؟
الخلل يبدأ من التراخيص. كثير من مدن الألعاب تعمل بتصاريح قديمة أو شكلية، تمنح مرة واحدة ثم تترك دون متابعة جادة. لا توجد لجان فنية مستقلة تفحص سلامة الأجهزة بشكل منتظم، ولا آلية واضحة لإيقاف العمل فوراً عند ظهور الخطر. الرقابة غالباً موسمية، وتتحرك بعد وقوع الكارثة لا قبلها.
ثم يأتي خلل الإدارة، حيث تدار هذه المدن بعقلية الربح السريع. تقليل تكاليف الصيانة، تجاهل استبدال القطع التالفة، تشغيل الألعاب لساعات طويلة دون توقف، والسماح بالاكتظاظ، كلها قرارات واعية تتخذ على حساب سلامة البشر، وخصوصاً الأطفال الذين لا يملكون القدرة على حماية أنفسهم.
أما الخلل الأخطر، فهو غياب المساءلة. بعد كل حادثة، يصاب أشخاص، تنقل الحالات إلى المستشفيات، ثم تطوى الصفحة. لا نسمع عن محاكمات حقيقية، ولا عن إغلاق دائم لمواقع مهملة، ولا عن محاسبة إدارية أو جنائية تليق بحجم الخطر. هذا الغياب هو ما شجع على تكرار المأساة، لأن الرسالة كانت واضحة: يمكن أن يحدث الأسوأ دون عواقب.
إن استمرار هذه الحوادث ليس فشلاً تقنياً فقط، بل فشل أخلاقي وقانوني. مدن الألعاب ليست مشاريع عادية، بل أماكن يُفترض أن تكون من الأكثر أماناً، لأنها تتعامل مباشرة مع الأطفال. أي خلل فيها يجب أن يعامل كجريمة إهمال، لا كحادث عابر.
ما يحتاجه العراق اليوم ليس لجان تحقيق مؤقتة، بل إطار قانوني صارم يفعل بلا تردد: فحص إلزامي دوري، إغلاق فوري عند المخالفة، محاسبة جنائية للمشغلين المقصرين، وتعويض عادل للضحايا. بدون ذلك، ستبقى مدن الألعاب مصانع خطر مغلفة بالألوان والموسيقى.
الفرح لا يجب أن يكون مغامرة، واللعب لا ينبغي أن يتحول إلى اختبار للبقاء. وأي دولة لا تحمي أطفالها في أبسط أماكن الترفيه، تعلن فشلها بصوت عال، حتى لو حاولت تغطيته.
ما يحدث اليوم يتطلب أكثر من بيانات إدانة. المطلوب تدخل قضائي صريح يعامل هذه الحوادث بوصفها قضايا إهمال تستوجب التحقيق والمحاسبة، لا ملفات تغلق بالتصالح أو النسيان. القضاء مطالب بتحديد المسؤوليات بوضوح، من المشغل إلى الجهة الرقابية، وفرض عقوبات رادعة تعكس قيمة حياة الطفل في هذا البلد.
إلى أن يتحرك القانون قبل سيارات الإسعاف، ستبقى مدن الألعاب أماكن نخاف فيها على أطفالنا أكثر مما نطمئن. وسيبقى السؤال معلقاً، موجهاً للدولة قبل غيرها:
من سمح للخطر أن يلعب مع أطفالنا؟








