في السياسة، لا يكون الابتسام دائماً علامة ارتياح، أحياناً يكون إشارة إلى هدنة مؤقتة، أو إلى اتفاق لم تعلن تفاصيله بعد. وملف السلاح خارج إطار الدولة في العراق يبدو اليوم وكأنه دخل هذه المرحلة بالضبط/ لغة أقل توتراً، تصريحات أكثر هدوءاً، ووعود تقال بنبرة مطمئنة. لكن خلف هذا المشهد، يظل السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: هل نحن أمام بداية نزع حقيقي للسلاح، أم أمام إعادة تموضعه بشكل أكثر حذراً؟
خلال السنوات الماضية، اعتاد العراقيون سماع وعود حصر السلاح بيد الدولة، لكنها غالباً ما كانت تصطدم بواقع أعقد من البيانات الرسمية. الجديد اليوم ليس الإعلان عن النية، بل تغير طريقة الحديث عنها. لم يعد الملف يطرح بوصفه مواجهة، بل بوصفه “تفاهمات” و ”تنظيمات” و ”مرحلة انتقالية”، وهي مفردات تحمل طمأنينة لغوية، لكنها لا تكشف ما يحدث فعلياً على الأرض.
المقلق في هذا التحول أن غياب الصدام لا يعني بالضرورة تقدم الدولة، كما أن اختفاء السلاح من المشهد الإعلامي لا يعني اختفاءه من المعادلة الأمنية. في تجارب سابقة، تعلم العراق أن السلاح حين لا يواجه بشكل مباشر، لا ينزع، بل يعاد ترتيبه/ أقل ظهوراً، أكثر انضباطاً، وربما أشد تأثيراً.
الدولة من جهتها تبدو حريصة على إدارة الملف بأقل قدر من الخسائر، مدفوعة بحسابات داخلية وضغوط خارجية، وتسعى إلى تجنب انفجار قد يفتح أبواباً لا قدرة لها على إغلاقها. لكن إدارة الملف تختلف كثيراً عن حسمه. فبين السيطرة القانونية والسيطرة الفعلية، توجد مسافة خطرة، غالباً ما تملأ بتفاهمات غير مكتوبة يصعب مراقبتها أو محاسبتها لاحقاً.
التجارب القريبة تعلمنا أن الملفات الحساسة لا تغلق، بل تؤجل. وأن السلاح، حين لا يواجه، لا يُزال، بل يعاد ترتيبه في صمت/ أقل ضوضاء، أكثر انضباطاً، وربما أكثر قدرة على التأثير في اللحظات الحرجة. هنا، الخط الفاصل بين الدولة واللا دولة يصبح ضبابياً، لكنه لا يختفي، ويتحرك على الأرض بصمت قاتل أحياناً.
ربما لا يكون السؤال اليوم: هل ستنجح الدولة في نزع السلاح؟ بل: هل تستطيع تحمل نتائج عدم نزعه، أو نزعِه جزئياً؟
في بلد دفع ثمناً باهظاً لكل منطقة رمادية، يبقى السؤال مفتوحاً… والسلاح يبتسم بهدوء، ليس لأنه استسلم، بل لأنه يعرف أين يختبئ.









