4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

عمر محمد العرب يكتب: من غزة إلى بيروت: التهدئة الهشّة واختبار الإرادات الدولية

في الداخل، تتصاعد الضغوط الدولية على لبنان بشكل تدريجي ومدروس. ضغوط تُقدَّم تحت عناوين الدعم والاستقرار والإصلاح

بقلم: عمر العرب
١٧ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
من غزة إلى بيروت: التهدئة الهشّة واختبار الإرادات الدولية

من غزة إلى بيروت: التهدئة الهشّة واختبار الإرادات الدولية

لبنان لم تعد تطورات الإقليم قابلة للفهم بوصفها أحداثًا متفرقة أو أزمات معزولة، بل باتت مسارًا واحدًا متداخلًا تُعاد فيه صياغة التوازنات تحت ضغط الوقائع لا الخطابات، وتُدار فيه الصراعات بعقل براغماتي بارد، يقدّم منع الانفجار الشامل على تحقيق أي عدالة مؤجلة. المنطقة اليوم تقف عند مفترق حساس، حيث تتحول التهدئة من أداة سلام إلى وسيلة إدارة أزمة، وتغدو الهدن محطات اختبار للإرادات الدولية أكثر منها مداخل حقيقية للحل.

في غزة، لم يعد ممكنًا توصيف ما يجري على أنه مجرد تعثّر تقني في تنفيذ وقف إطلاق النار. فالتهدئة التي أُعلن عنها جاءت برعاية أمريكية أساسية، وبمشاركة مصر وقطر، مع دور تركي فعّال ومؤثر في الدفع نحو إنجاز التفاهمات ومواكبة تفاصيلها.

الخروقات في غزة ولبنان

وعليه، فإن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لا تمثل فقط انتهاكًا ميدانيًا لوقف إطلاق النار، بل تشكّل تقويضًا مباشرًا للقرار الأمريكي نفسه، واختبارًا علنيًا لمدى قدرة واشنطن أو رغبتها في فرض التزامات على حليفها. وحين تُترك هذه الخروقات بلا ردع، تتحول الهدنة إلى غطاء هشّ لاستمرار العدوان، وتتحمّل الولايات المتحدة المسؤولية السياسية الكاملة، بصفتها الراعي والضامن وصاحبة القرار المؤثر.

 

هذا المشهد الغزّي ينعكس تلقائيًا على الساحة اللبنانية، حيث يُدار التوتر في الجنوب ضمن معادلة دقيقة قوامها الاحتواء الحذر، القابل للانفجار في أي لحظة. الاجتماعات المتصلة بالوضع الحدودي، والحديث المتزايد عن توسيع إطارها ليشمل بُعدًا سياسيًا، لا يمكن فصله عن رغبة دولية واضحة في نقل الاشتباك من الميدان إلى طاولة تفاوض غير معلنة، تمهيدًا لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، لا لحل جذري للصراع.

وفي هذا السياق، برزت زيارة مدير المخابرات المصرية إلى بيروت كرسالة إقليمية هادئة ولكنها عميقة الدلالة. الزيارة حملت تحذيرًا واضحًا من مخاطر الانزلاق، وتنبيهًا إلى أن أي خلل في إدارة ملف الجنوب قد يفتح الباب أمام سيناريوهات لا يمكن احتواؤها بسهولة، في لحظة إقليمية تتسم بهشاشة التوازنات. ولم تكن هذه الزيارة معزولة، بل جاءت في إطار تحضير سياسي وأمني لزيارة مرتقبة لرئيس مجلس الوزراء المصري إلى لبنان، في مسعى مصري لتكثيف الحضور السياسي والمساهمة في تثبيت الاستقرار ومنع انتقال نيران الإقليم إلى الداخل اللبناني.

في الداخل، تتصاعد الضغوط الدولية على لبنان بشكل تدريجي ومدروس. ضغوط تُقدَّم تحت عناوين الدعم والاستقرار والإصلاح، لكنها تحمل في جوهرها محاولة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية وربط أي انفراج اقتصادي أو سياسي بشروط واضحة. هنا يتجلى التباين بين القوى اللبنانية: فريق يرى في البراغماتية بابًا لتخفيف الضغط، وفريق يعتبر أن ما يُطلب يتجاوز الإصلاح إلى المسّ بعناصر القوة، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية.

حزب الله، في قراءته للمشهد، يتعامل مع هذه الضغوط بوصفها جزءًا من مسار إقليمي أوسع، لا نقاشًا تقنيًا حول ملف بعينه. بالنسبة إليه، القضية تتصل بطبيعة الصراع مع العدو وبغياب أي ضمانات دولية قابلة للبناء عليها. ومن هنا، يوازن الحزب بين تجنّب التصعيد الداخلي وعدم تقديم تنازلات استراتيجية مجانية، مدركًا أن الإقليم لم يصل بعد إلى مرحلة التسويات الكبرى، وأن ما يُطرح اليوم ليس إلا إدارة مؤقتة للأزمات.

دوليًا، يتكرّس منطق واحد: أولوية الاستقرار القابل للإدارة. العواصم الكبرى لا تبحث عن حلول جذرية بقدر ما تسعى إلى ضبط الإيقاع ومنع الانفجار. هذا ما يفسر ازدواجية الخطاب الدولي، حيث يقابل الدعم اللفظي للسيادة ضغط عملي لتقييد القرار وربط أي دعم بمسارات محددة سلفًا.

استقرار لبنان

في هذا المناخ، جاءت زيارة البابا إلى لبنان وتركيا لتؤكد أن استقرار لبنان لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل قيمة رمزية في شرق تتآكل فيه مساحات التعدد. وفي الوقت نفسه، واصلت تركيا تثبيت موقعها كلاعب إقليمي براغماتي، يراقب التحولات ويتدخل عند الضرورة بحساب دقيق، مدركًا أن الفراغ في هذه المرحلة أخطر من أي حضور محسوب.

المنطقة اليوم لا تقف على أعتاب سلام قريب، ولا على شفير حرب شاملة، بل في مساحة رمادية خطيرة تُدار فيها الأزمات بالنَّفَس الطويل. ولبنان، مرة أخرى، يجد نفسه في قلب هذا التقاطع، محاطًا بالضغوط والرسائل، ومطالبًا بالتكيّف مع واقع يُراد له أن يكون هادئًا لا قويًا، مستقرًا لا مبادرًا.

وفي زمن كهذا، لا يُقاس وزن الدول بما تُعلنه من مواقف، بل بما تتحمّله من ضغوط دون أن تفقد قرارها. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا سيحدث غدًا، بل:
هل يُسمح للبنان بأن يكون شريكًا في رسم مستقبله، أم يُراد له أن يبقى ساحة تُختبر فوقها إرادات الآخرين؟

عمر العرب

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال