منذ اللحظة الأولى للاعتقال، لم تُسلب حريتي فقط، بل سُرق النور من عيني. قطعة قماش سوداء، ثابتة لا تتبدل، صارت عالمي الوحيد، من الثالث من مارس حتى العاشر من يونيو 2024، لم أعرف لون الصباح، ولا فرق الغروب، ولا هيئة الوجوه الزمن كان يُقاس بالألم، لا بالساعات.
كنا أكثر من مئة جسد، مصطفّين في فضاء مفتوح، لكنّه أضيق من القبر مقيّدين بسلاسل باردة، معصوبي الأعين، نجلس في دائرة لا تتجاوز مترًا واحدًا، مئةٌ وعشرون يومًا في وضعية واحدة: الركوع الإجباري، وثماني عشرة ساعة يوميًا بلا حركة، بلا التفاتة، بلا همسة.
الصمت كان قانونًا. حتى الصلاة صارت جريمة، وتحريك الشفاه للذكر تهمة ومغامرة لها ثمن الهواء نفسه كنا نستنشقه بحذر، كان زميلي يلاصقني، صديقي يجاورني، لكن بيننا مسافة أكبر من المسافات كلها لا أستطيع أن أناديه، لا أنظر إليه، لا أطمئن عليه. الرأس إلى الأمام …فالعين التي تحاول الصعود، تُعاقَب. بعد أسبوع، نُقلت إلى قسم جديد، لم أكن أعلم أن القدر كان يُخبّئ لي وجعًا من نوع آخر.
هناك… كان أخي ابراهيم احمد عرفت صوته قبل أن أعرف مكانه كان الشوق ينهشني: هل هو بخير؟ هل ما زال صامدًا؟ وفي نقلٍ آخر، شاء الله أن نجلس جنبًا إلى جنب. جسدي لامس جسده… لكن الكلام كان ممنوعًا، والالتفات محرّمًا، وأي محاولة تعني العقاب، وتعني الفراق من جديد.
ثماني عشرة ساعة ونحن متجاوران كالغريبين. حتى جاء الليل. الساعة الثانية عشرة. أمر النوم. تحت البطانية، حيث لا عين تراقب، تنفّسنا بحرية لأول مرة. همسنا. تأكدنا أننا ما زلنا أحياء. طمأن بعضُنا بعضًا، كأن تلك الدقائق القليلة كانت تعويضًا عن عمرٍ كامل.
ثلاثة أشهر بلا نور لكننا لم نكن بلا ضياء. #الذكر كان مصباحنا. و #التسبيح كان نافذتنا الوحيدة. كنا نعدّ #الأذكار بالآلاف، نُسابق الوقت بالإيمان، ونحمي عقولنا من الانكسار.
وفي الظلام، كنت أخرج. لا بجسدي… بل بفكري. أرتّب كتبي القادمة، أقسّم فصولها، أعنون دراساتي، وأعيد بناء نفسي حجراً حجراً. مرت ثلاثة أشهر في معتقل #سيدي_تيمان لم أرَ الشمس، لكنني رأيت وجه هذا الاحتلال عاريًا من كل إنسانية. خرجنا… وبقيت الحكاية شاهدة.







