بعد سنوات من الغموض وأشهر من الاضطراب السياسي، يُنتظر أن تُفرج وزارة العدل الأمريكية، اليوم الجمعة، عن الجزء الأكبر من أرشيفها غير السري المتعلق بجيفري إبستين، وذلك التزاما بما يفرضه القانون. خطوة تُدشّن، بحسب مراقبين، مرحلة جديدة من الشفافية القسرية في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الأمريكية المعاصرة.
ملفات إبستين.. القضية الأشهر
لم تحظَ قضية هذا العام بزخم شعبي وإعلامي يماثل «ملفات إبستين»، التي لم تقتصر تداعياتها على كشف جوانب من شبكة نفوذ معقّدة، بل أسهمت في زعزعة حركة «ماجا» المحافظة على نحو لم يكن متوقعا. فقد ارتدت محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإغلاق الملف سياسيا بصورة عكسية، وأطلقت موجة شعبوية تجاوزت قدرته على ضبطها.
وبفعل ضغط الكونغرس، باتت وزارة العدل ملزمة بإتاحة «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» المتعلقة بإبستين، في صيغة قابلة للبحث والتنزيل. ويجيز القانون حجب هويات الضحايا وبعض المواد المرتبطة بتحقيقات جارية، وهو استثناء ازدادت تعقيداته بعد أن أمر ترامب أخيرا بفتح تحقيقات جديدة في علاقات إبستين بشخصيات ديمقراطية بارزة.
إطار قانوني ملتبس
يبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى ستُفعّل وزارة العدل هذه الاستثناءات؟ خاصة أن الوزارة كانت قد خلصت في يوليو الماضي إلى أن «عدم الكشف عن مزيد من المعلومات» بشأن الملف «مناسب وغير مبرر» آنذاك. هذا التناقض بين النص القانوني والمواقف السابقة يعمّق الشكوك حول حدود الشفافية المنتظرة.
ارتدادات سياسية مستمرة
بعد أكثر من ست سنوات على وفاة إبستين داخل سجن فدرالي، لا تزال قصة إفلاته الطويل من المحاسبة تُلقي بشظاياها على أعلى مستويات السلطة. ففي يوليو، صدم ترامب قاعدته الشعبية حين هاجم من وصفهم بمروّجي «خدعة إبستين»، معتبرا القضية تشتيتا ديمقراطيا. غير أن تسريبات متلاحقة بشأن علاقته الاجتماعية بإبستين في بالم بيتش بولاية فلوريدا، كما أوردت «نيويورك تايمز»، أعادت فتح الجدل حول عمق تلك العلاقة، من دون ظهور أي دليل على تورطه المباشر في الجرائم. ومع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي استياء واسعا من طريقة تعامله مع الملف.
وزيرة العدل بام بوندي تحولت إلى واجهة لإدارة مرتبكة للملف، بعدما وزعت ملفات ورقية على مؤثرين من «ماجا» خلال مناسبة في البيت الأبيض، ثم صرّحت لقناة «فوكس نيوز» بأن «قائمة عملاء إبستين» موجودة على مكتبها. لاحقا، نفى مذكرة رسمية لوزارة العدل وجود أي قائمة من هذا النوع، ما دفع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز إلى القول لمجلة «فانيتي فير» إن بوندي «أخفقت تماما».
انقسامات داخل الحزب الجمهوري
رئيس مجلس النواب مايك جونسون تلقى واحدة من أكثر اللحظات إحراجا في ولايته، حين علّق جلسات المجلس فجأة لتفادي التصويت على نشر الملفات، قبل أن يمر القرار لاحقا بدعم متحفظ من ترامب. الحادثة غذّت الشكوك حول قبضته على المجلس، وأشعلت غضبا شعبويا داخل الحزب.
النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين ذهبت أبعد، إذ اختلفت علنا مع ترامب بشأن نشر الملفات، ثم استقالت من الكونغرس بعد أن وصفها الرئيس بـ«الخائنة». وقالت إن معركة إبستين «مزقت ماغا من الداخل»، متسائلة عما إذا كان ترامب لا يزال رئيسا «أمريكا أولا».
حتى المؤثرون الإعلاميون المحسوبون على التيار المحافظ، من كانديس أوينز إلى مدوني «المانوسفير»، أقرّوا بأنهم لم يتعافوا بعد مما اعتبروه خيانة سياسية. كما أعلن نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي دان بونغينو استقالته، بعد صعوبة التوفيق بين خطابه الإعلامي السابق حول نظريات إبستين ودوره الرسمي.
تداعيات تتجاوز ترامب
لم تقتصر الارتدادات على دائرة ترامب، إذ خسر وزير الخزانة الأمريكي الأسبق لاري سامرز، والأمير أندرو، والسفير البريطاني بيتر ماندلسون مناصب أو أدوارا هذا العام، بفعل ما تكشف من صلات مرتبطة بإبستين.

ثلاثة تيارات تغذي القصة
يذهب محللون إلى أن ثلاثة مسارات رئيسية تلاقت لتجعل ملفات إبستين القصة الأكثر استدامة في 2025:
-
انعدام الثقة بالنخب: تناقض التصريحات والتأجيلات والحجب غذّت الاعتقاد بأن حكومات ومؤسسات كبرى أخفت شبكات إبستين لسنوات.
-
ثقافة المؤامرة: استفاد مؤثرون رقميون من الإيحاءات حول شبكات ابتزاز مزعومة وصلات استخباراتية، محولين كل سؤال بلا إجابة إلى دليل فساد شامل.
-
الجدل حول إسرائيل: تزايد التدقيق في علاقات إبستين بإسرائيل تزامن مع نقاش محتدم حول نفوذها في السياسة الأمريكية، وهو نقاش اختلط في بعض أوساط اليمين المتطرف بخطابات معاداة للسامية، دون تقديم أدلة موثقة.
ما بعد النشر
حتى مع صدور الوثائق، يتوقع مراقبون ألا تُطوى القضية. فقد وافق قضاة فدراليون على نشر محاضر هيئات محلفين كبرى في ثلاث قضايا مرتبطة بإبستين وشريكته جيسلين ماكسويل. كما تواصل وسائل إعلام ولجنة الرقابة في مجلس النواب الضغط للحصول على وثائق إضافية، بينها سجلات من تركة إبستين لم يحصل عليها مكتب التحقيقات الفيدرالي سابقا.
بكلمات أخرى، نشر الملفات قد يكون بداية فصل جديد، لا نهاية قصة.







