4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مرتزقة كولومبيون في السودان: هكذا تدير الإمارات الشبكة من لندن

كشفت تحقيقات صحفية بريطانية عن شبكة عابرة للحدود لتجنيد مرتزقة كولومبيين للقتال في السودان إلى جانب قوات «الدعم السريع».

بقلم: عمرو المصري
١٩ ديسمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
17 مشاهدة
فندق والدورف هيلتون في ألدويتش، وسط لندن، على اليسار؛ والشقق في شمال لندن حيث تم تسجيل شركة زيوز جلوبال في السابق؛ وفندق وان ألدويتش في لندن.

فندق والدورف هيلتون في ألدويتش، وسط لندن، على اليسار؛ والشقق في شمال لندن حيث تم تسجيل شركة زيوز جلوبال في السابق؛ وفندق وان ألدويتش في لندن.

كشفت تحقيقات صحفية بريطانية عن شبكة عابرة للحدود لتجنيد مرتزقة كولومبيين للقتال في السودان إلى جانب قوات «الدعم السريع»، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، في تطور يسلّط الضوء على دور شركات مسجّلة في بريطانيا في تغذية واحدة من أعنف الحروب الدائرة اليوم.

وبحسب تحقيق استقصائي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فإن شركات أُسست على يد أشخاص خضعوا مؤخرًا لعقوبات أمريكية، تولّت عملية استقدام مئات المقاتلين الكولومبيين السابقين للانخراط في صفوف «الدعم السريع»، التي تواجه اتهامات واسعة بارتكاب مذابح واغتصابات جماعية وعمليات قتل منهجية بحق المدنيين، ولا سيما النساء والأطفال.

شقة لندن الغامضة

على مقربة من ملعب توتنهام هوتسبير شمال لندن، تقف بناية سكنية عادية تخفي، وفق التحقيق، صلة مباشرة بجرائم تُرتكب على بُعد نحو ثلاثة آلاف ميل جنوبًا. فشقة صغيرة من غرفة واحدة، في الطابق الثاني من مبنى بشارع كريتون، مسجّلة رسميًا كمقر لشركة تُدعى Zeuz Global.

الشقق الواقعة شمال لندن حيث تم تسجيل شركة زيوز غلوبال. صورة: أنطونيو أولموس/ذا غارديان
الشقق الواقعة شمال لندن حيث تم تسجيل شركة زيوز غلوبال

وتشير سجلات الحكومة البريطانية إلى أن هذه الشركة مرتبطة بشبكة دولية لتجنيد المرتزقة للقتال في السودان، وأنها أُسست من قبل شخصين ورد اسماهما ضمن قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية الأسبوع الماضي، بتهمة تجنيد مقاتلين كولومبيين لصالح قوات «الدعم السريع».

مئات المرتزقة

يفيد التحقيق بأن مئات من العسكريين الكولومبيين السابقين جرى التعاقد معهم للقتال إلى جانب «الدعم السريع»، وهي قوة شبه عسكرية تتهمها تقارير دولية بارتكاب جرائم واسعة النطاق في إقليم دارفور ومناطق أخرى من السودان.

مرتزق كولومبي في الفاشر، السودان. يقاتل المئات من الجنود الكولومبيين السابقين مع قوات الدعم السريع.
مرتزق كولومبي في الفاشر، السودان. يقاتل المئات من الجنود الكولومبيين السابقين مع قوات الدعم السريع.

 

وتؤكد مصادر تحليلية أن المرتزقة الكولومبيين شاركوا بشكل مباشر في السيطرة على مدينة الفاشر جنوب غربي السودان في أواخر أكتوبر، وهي العملية التي أعقبتها موجة قتل جماعي يُقدّر ضحاياها، وفق محللين، بما لا يقل عن 60 ألف شخص.

عناوين متحركة

التحقيق كشف أن شركة Zeuz Global، المسجّلة في البداية على عنوان الشقة شمال لندن، غيّرت مقرها فور إعلان العقوبات الأمريكية. ففي العاشر من ديسمبر، وبعد يوم واحد فقط من إعلان وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات، أعلنت الشركة انتقالها إلى عنوان جديد في قلب لندن، يحمل الرمز البريدي لفندق فاخر في منطقة كوفنت غاردن.

فندق والدورف هيلتون الأنيق، فندق فاخر في وسط لندن، يقع بجوار مبنى وان ألدويتش تقريبًا. صورة: أنطونيو أولموس/ذا جارديان
فندق والدورف هيلتون الأنيق، فندق فاخر في وسط لندن، يقع بجوار مبنى وان ألدويتش تقريبًا.

غير أن العنوان الجديد جاء مرتبكًا، إذ أشار إلى رقم لا يتطابق مع الفندق المذكور، بل مع فندق آخر يبعد مئة متر فقط. وأكد الفندقان، كلٌّ على حدة، أنهما لا تربطهما أي علاقة بالشركة ولا يعلمان سبب استخدام عنوانيهما.

تساؤلات قانونية

أثار هذا الواقع تساؤلات واسعة حول كيفية تمكّن أشخاص خاضعين لعقوبات أمريكية بسبب «تغذية الحرب الأهلية في السودان»، بحسب توصيف واشنطن، من تسجيل شركة في العاصمة البريطانية وتشغيلها من دون عوائق تُذكر.

فندق وان ألدويتش، فندق خمس نجوم يقع على حافة كوفنت غاردن في وسط لندن. صورة: أنطونيو أولموس/ذا غارديان
فندق وان ألدويتش، فندق خمس نجوم يقع على حافة كوفنت غاردن في وسط لندن. 

ونقلت الغارديان عن الباحث وعضو فريق خبراء الأمم المتحدة السابق بشأن السودان، مايك لويس، قوله إن «الأمر بالغ الخطورة»، مشيرًا إلى أن الأفراد المتهمين بإدارة شبكة المرتزقة «استطاعوا إنشاء شركة بريطانية والعمل منها، بل والادعاء بالإقامة في المملكة المتحدة».

صمت رسمي

وعند سؤال «سجل الشركات» البريطاني عن طبيعة نشاط Zeuz Global أو معرفته الفعلية بما تقوم به، لم يصدر أي رد. كما امتنعت الجهة الحكومية عن تأكيد ما إذا كان الأشخاص الخاضعون للعقوبات يقيمون فعلًا داخل بريطانيا.

أما الشركة نفسها، فتعذّر التواصل معها، إذ يظهر موقعها الإلكتروني، الذي أُنشئ في مايو، على أنه «قيد الإنشاء»، من دون أي بيانات اتصال.

شبكة التجنيد

ووفق وزارة الخزانة الأمريكية، فإن الشخصية المحورية في شبكة التجنيد هو ضابط كولومبي متقاعد يحمل الجنسية الإيطالية أيضًا، ويقيم في الإمارات، يُدعى ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا. وتتهمه واشنطن بلعب دور مركزي في تجنيد جنود كولومبيين سابقين لإرسالهم إلى السودان عبر وكالة توظيف مقرها بوغوتا شارك في تأسيسها.

صبية ورجال سودانيون يتلقون تدريباً على يد مرتزقة كولومبيين في السودان
صبية ورجال سودانيون يتلقون تدريباً على يد مرتزقة كولومبيين في السودان

كما فُرضت عقوبات على زوجته، كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، لامتلاكها وإدارتها الوكالة نفسها، إضافة إلى رجل آخر يحمل الجنسية الإسبانية-الكولومبية، اتُّهم بإدارة شركة تتولى الشؤون المالية ورواتب شبكة المرتزقة.

من التسجيل إلى المجزرة

في الثامن من أبريل، سُجّلت شركة ODP8 Ltd في شمال لندن برأسمال قدره عشرة آلاف جنيه إسترليني، قبل أن تُغيّر اسمها لاحقًا إلى Zeuz Global. وبعد ثلاثة أيام فقط، شنّت قوات «الدعم السريع» هجومًا على مخيم زمزم للنازحين، أسفر عن مقتل أكثر من 1500 مدني، بحسب تقارير حقوقية.

وبعد السيطرة على المخيم، جرى تسليمه، وفق التحقيق، إلى المرتزقة الكولومبيين الذين بدأوا الإعداد للهجوم على مدينة الفاشر.

دور عسكري مباشر

تشير التحليلات إلى أن المرتزقة الكولومبيين لعبوا دورًا حاسمًا في تغيير مسار الصراع، إذ شاركوا كقناصة ومشاة، ودربوا أطفالًا على القتال، إضافة إلى عملهم كمدربين وطيارين للطائرات المسيّرة التي كان لها دور حاسم في سقوط الفاشر والقتال في إقليم كردفان.

قوات الدعم السريع شبه العسكرية: يقول الخبراء إن الأسلحة عالية التقنية التي تستخدمها قوات الدعم السريع تحتاج إلى مساعدة خارجية لتشغيلها. صورة: ياسويوشي تشيبا/وكالة فرانس برس/غيتي إيميجز
قوات الدعم السريع شبه العسكرية: يقول الخبراء إن الأسلحة عالية التقنية التي تستخدمها قوات الدعم السريع تحتاج إلى مساعدة خارجية لتشغيلها. صورة: ياسويوشي تشيبا/وكالة فرانس برس/غيتي إيميجز

ويؤكد الباحث مايك لويس أن الحرب في السودان «عالية التقنية»، تعتمد على أسلحة موجّهة وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وهي أدوات «تتطلب دعمًا خارجيًا لتشغيلها»، معتبرًا أن شبكة المرتزقة الكولومبيين شكّلت جزءًا أساسيًا من هذا الدعم.

شركات واجهة

يرى خبراء أن تسجيل شركات كهذه في بريطانيا يمنح المتورطين «جواز مرور» للتعامل مع جهات شرعية، في ظل ضعف التدقيق، إذ قال لويس إن «تأسيس شركة في المملكة المتحدة أسهل من الاشتراك في نادٍ رياضي»، محذرًا من تاريخ طويل لاستخدام شركات بريطانية وهمية في صفقات سلاح ودعم عسكري لجهات خاضعة لحظر دولي، من السودان وليبيا إلى كوريا الشمالية، بل وحتى تنظيم «داعش».

أبعاد إقليمية

كما ربط التحقيق بين شبكة المرتزقة ودولة الإمارات، التي تتهمها تقارير منذ سنوات بدعم «الدعم السريع». وأشار تقرير حديث لمنظمة The Sentry الاستقصائية إلى صلات بين رجال أعمال إماراتيين يمدون «الدعم السريع» بالمرتزقة ومسؤول حكومي إماراتي رفيع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي بشكل متكرر.

ردود رسمية

قال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن لندن تدعو إلى «وقف فوري للفظائع، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية»، مشيرًا إلى فرض عقوبات مؤخرًا على قادة في «الدعم السريع» لدورهم في الجرائم المرتكبة في الفاشر.

لكن التحقيق يترك سؤالًا مفتوحًا: إلى أي مدى تتحمل الدول الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا، مسؤولية غير مباشرة عن استمرار النزاع، حين تسمح أنظمتها القانونية بتسجيل شركات تُستخدم، عمليًا، كواجهات لتغذية الحروب والجرائم الجماعية في مناطق النزاع؟

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

مرتزقة كولومبيون في السودان: هكذا تدير الإمارات الشبكة من لندن - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°