عمر الناصر يكشف لـ" 180 تحقيقات" فرص نجاح تشكيل حكومة التوافق الوطني في العراق
في ظل مشهد سياسي معقد يتأرجح بين الرغبة في الاستقرار وتحديات التشرذم، برزت دعوة رئيس الجمهورية العراقي لتشكيل "حكومة جامعة" كحجر زاوية في محاولة لإعادة صياغة العقد السياسي الوطني.
وفي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، قدم الكاتب والمحلل السياسي عمر الناصر قراءة نقدية وعميقة لهذه الدعوة، معتبراً إياها محاولة جادة لترميم التوافق الوطني الذي أصابه الوهن بفعل الصراعات الحزبية.
رؤية عمر الناصر: محاولة جادة لإنهاء الانسداد السياسي
يرى المحلل السياسي عمر الناصر أن دعوة الرئيس لا تأتي من فراغ، بل هي انعكاس لضرورة ملحة لإنهاء حالة "الانسداد السياسي الجزئي".

عمر الناصر
ويؤكد الناصر أن هذه المبادرة تهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم "التوافق الوطني" كصمام أمان للدولة العراقية.
ومع ذلك، يضع الناصر إصبعة على الجرح قائلاً: "إن نجاح هذه المبادرة لا يتوقف على النوايا وحدها، بل على مدى استعداد القوى السياسية لتجاوز مصالحها الفئوية الضيقة والدخول في تسويات تاريخية وحقيقية".
خارطة الطريق: من المحاصصة إلى الشراكة
يشدد عمر الناصر في حديثه لـ "180 تحقيقات" على ضرورة تغيير الفلسفة التي تُبنى عليها الحكومات في العراق. فالدعوة الحالية ليست مجرد محاولة لتقاسم الحقائب الوزارية، بل هي دعوة لتغيير المسار من المحاصصة الطائفية والحزبية: التي أدت إلى ترهل مؤسسات الدولة ، وإلى الشراكة الوطنية الحقيقية التي تضمن تمثيل كافة المكونات بناءً على الكفاءة والبرنامج الحكومي.
التحديات والعقبات: هل تتوفر الإرادة السياسية؟
لا يبدو الطريق مفروشاً بالورود أمام مبادرة الرئيس. فحسب تحليل الناصر، هناك جملة من التعقيدات التي قد تعرقل الوصول إلى توافق وطني شامل، أبرزها تغليب المصالح الضيقة حيث تمسك بعض الكتل السياسية بمكاسبها الانتخابية على حساب المصلحة الوطنية العليا و غياب الثقة فالفجوة الكبيرة بين الأطراف السياسية التي تجعل من "تقديم التنازلات" أمراً صعب المنال أما التدخلات الخارجية التي غالباً ما تؤثر على سرعة وشكل التوافق الداخلي.

عمر الناصر
ويرى الناصر أن سعي الرئيس لجمع الأطراف عبر الحوار والشراكة و"عدم الإقصاء" هو المسار الوحيد المتاح، لكنه يبقى مرهوناً بوجود إرادة سياسية حقيقية تتجاوز لغة الأرقام والمغانم.
تحليل الأثر: ماذا لو فشلت القوى السياسية في الاستجابة؟
يحذر مراقبون، ومن بينهم عمر الناصر، من أن الفشل في تلبية دعوة الرئيس قد يعمق الأزمة السياسية، إن مفهوم "الحكومة الجامعة" يعني إشراك الجميع في تحمل المسؤولية، وهو ما يقلل من حدة المعارضة الهدامة ويدفع بعجلة الإصلاح الاقتصادي والخدمي.
متطلبات النجاح حسب رؤية "180 تحقيقات":
الحوار المباشر والبدء بجولات حوارية لا تستثني أحداً و التنازلات المتبادلة و إدراك القوى السياسية أن الاستقرار يتطلب التخلي عن بعض المطالب المتصلبة وبرنامج حكومي واقعي و التركيز على احتياجات المواطن العراقي بعيداً عن الصراعات السياسية.
مستقبل المبادرة بين التفاؤل والحذر
في ختام حديثه لموقعنا، يترك عمر الناصر الباب مفتوحاً أمام احتمالات عدة، لكنه يرجح أن "الكرة الآن في ملعب القوى السياسية". فالدعم الرئاسي للمبادرة يوفر المظلة الشرعية والقانونية، لكن "المحرك" الحقيقي هو الإرادة الحزبية.
إن العراق يقف عند مفترق طرق؛ فإما الذهاب نحو حكومة شراكة وطنية تعيد ثقة الشارع بالنظام السياسي، أو البقاء في دائرة التوافق الهش الذي ينهار عند أول اختبار حقيقي.
عاش المشهد السياسي العراقي منذ عام 2003 على وقع معادلة "الديمقراطية التوافقية"، التي استندت في جوهرها إلى توزيع السلطات بين المكونات الأساسية.
ومع مرور الوقت، انحرف هذا المفهوم ليتحول إلى "محاصصة حزبيّة" ضيقة أدت في كثير من المحطات إلى شلل تنفيذي، وبروز ظاهرة "الانسداد السياسي" التي بلغت ذروتها عقب انتخابات عام 2021، حيث استغرق تشكيل الحكومة فترة قياسية تجاوزت العام الكامل بسبب الصراعات على الكتلة الأكبر وشكل التحالفات.
تأتي دعوة الرئيس العراقي الحالية لتشكيل "حكومة جامعة" في توقيت حساس، حيث يواجه العراق تحديات جيوسياسية متزايدة وضغوطاً اقتصادية تتطلب جبهة داخلية متماسكة. إن تاريخ الحكومات العراقية المتعاقبة يثبت أن صيغة "الغالب والمغلوب" لم تنجح في بيئة سياسية شديدة التعددية، وهو ما يفسر العودة الدائمة إلى خيار "التوافق".
إلا أن الفارق اليوم يكمن في سعي رئاسة الجمهورية إلى تحويل التوافق من مجرد "صفقة لتوزيع المناصب" إلى "عقد شراكة وطنية" ينهي حالة الإقصاء، هذه المبادرة تأتي كمحاولة لترميم الثقة المفقودة ليس فقط بين القوى السياسية، بل بين النظام السياسي والشارع العراقي الذي بات ينظر إلى الانقسامات كعائق أساسي أمام التنمية والاستقرار.










