في مساء السبت، لم يكن حيّ الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة على موعد مع غارة جديدة بقدر ما كان على موعد مع نتيجة متراكمة لقصف سابق لم يلتئم جرحه. خمسة فلسطينيين استشهدوا دفعة واحدة إثر انهيار منزل عائلة لبد، الذي كان قد تضرر في قصف إسرائيلي سابق، ليعيد التأكيد أن آثار العدوان لا تنتهي بتوقف القصف، بل تمتد زمنياً لتحصد أرواحاً جديدة.
بحسب المعطيات الميدانية، فإن المنزل المنهار كان يضم أفراداً من العائلة حاولوا البقاء فيه رغم تضرره، في ظل انعدام البدائل السكنية. ومع انهياره، ارتقى الشهداء: محمد سعيد أحمد لبد، وزوجته رانية، وابنتهما سندس (17 عاماً)، إلى جانب إيمان لبد زوجة الشهيد أكرم لبد، وابنتهما جنى، في مشهد يعكس هشاشة الواقع الإنساني في غزة حتى في فترات التهدئة المعلنة.
حي الشيخ رضوان: سبع ساعات تحت الأنقاض
الدفاع المدني في غزة وصف مهمة حي الشيخ رضوان بأنها واحدة من أصعب عمليات الإنقاذ، حيث عملت طواقمه لأكثر من سبع ساعات متواصلة وسط ظروف بالغة الخطورة. ورغم نجاحهم في انتشال خمسة شهداء ونقلهم إلى المستشفى، إلا أن صعوبة الموقع ونقص المعدات حالا دون الوصول إلى ثلاثة مفقودين حتى لحظة إعداد هذه التغطية، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ في قطاع يعاني من شلل شبه كامل في البنية التحتية.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن سياسة تدمير المنازل التي خلّفت آلاف الأبنية غير الصالحة للسكن، وأجبرت العائلات على العيش داخل بيوت مهددة بالانهيار، في ظل غياب مواد الإعمار ومنع إدخالها.
شهداء الشيخ رضوان وشهداء الشجاعية
بالتوازي مع حادثة الشيخ رضوان، أفاد مصدر طبي في المستشفى المعمداني باستشهاد فلسطينيين اثنين بنيران الاحتلال قرب ما يُعرف بالخط الأصفر في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة. الحادثة تعيد طرح تساؤلات حول طبيعة ما يُسمى “وقف إطلاق النار”، في وقت يتواصل فيه إطلاق النار على المدنيين في المناطق الشرقية للقطاع.
هذا النمط من الاستهداف يوحي بأن التهدئة تحوّلت إلى غطاء لفرض واقع أمني جديد، يسمح للاحتلال بالتحرك الميداني دون ردع حقيقي، مع الإبقاء على مستوى منخفض من العنف المتواصل.
أرقام تكشف المسار: وقف نار بلا حماية
وزارة الصحة في غزة أعلنت أن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار بلغ 401 شهيد، إضافة إلى 1108 إصابات، وهي حصيلة ثقيلة تكشف أن التهدئة لم توفر حماية حقيقية للمدنيين. هذه الأرقام لا تعكس فقط استمرار الاستهداف، بل تشير أيضاً إلى سقوط ضحايا بفعل تداعيات القصف السابق، سواء عبر انهيار المباني أو تأخر عمليات الإنقاذ والعلاج.
تصعيد بطيء تحت سقف التهدئة
ما يجري في غزة يمكن وصفه بـ”التصعيد الصامت”، حيث لا تُشن حرب شاملة، لكن أدوات القتل تبقى حاضرة: إطلاق نار متقطع، استهدافات محدودة، ومنع للإعمار، ما يؤدي إلى استنزاف بشري ونفسي طويل الأمد. الاحتلال، وفق هذا النمط، يسعى إلى فرض معادلة مفادها أن وقف إطلاق النار لا يعني وقف السيطرة أو إنهاء العقاب الجماعي.
في المقابل، يعكس صمود السكان وبقاؤهم في منازل مهددة رسالة اضطرار لا خيار، حيث تحاصرهم المعادلة القاسية بين خطر الانهيار وخطر النزوح دون مأوى.
تؤكد تطورات الشيخ رضوان والشجاعية أن خروقات وقف إطلاق النار في غزة لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى واقع يومي متعدد الأشكال. بين رصاص مباشر يوقع شهداء، وركام مؤجل يحصد أرواحاً، تتآكل فكرة التهدئة نفسها، لتصبح مجرد عنوان سياسي لا ينعكس أمناً على الأرض، في قطاع لا يزال يدفع ثمن العدوان حتى في لحظات الصمت.










