4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إضراب الجوع يهز تونس: المعارضة تتحدى قبضة سعيّد

في تصعيد لافت للمواجهة مع سلطة الرئيس قيس سعيّد، أعلنت قيادات وأعضاء من جبهة الخلاص الوطني، أكبر تحالف معارض في تونس، الشروع في إضراب جماعي عن الطعام اعتبارًا من يوم الاثنين.

بقلم: عمرو المصري
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
27 مشاهدة
تجمع احتجاجي للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية في الذكرى الرابعة عشرة للثورة التونسية في تونس العاصمة، في 14 يناير 2025

تجمع احتجاجي للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية في الذكرى الرابعة عشرة للثورة التونسية في تونس العاصمة، في 14 يناير 2025

في تصعيد لافت للمواجهة مع سلطة الرئيس قيس سعيّد، أعلنت قيادات وأعضاء من جبهة الخلاص الوطني، أكبر تحالف معارض في تونس، الشروع في إضراب جماعي عن الطعام اعتبارًا من يوم الاثنين، تضامنًا مع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي. ويأتي هذا التحرك بالتوازي مع إضراب مماثل أعلنه عشرات المحامين التونسيين، في خطوة تعكس انتقال الاحتجاج من الشارع إلى الجسد، ومن السياسة إلى القضاء.

هذا التصعيد المتزامن يسلّط الضوء على حالة الغليان السياسي المتصاعدة في البلاد، في ظل اتهامات متزايدة لإدارة سعيّد بتقويض أسس الديمقراطية، وتوظيف القضاء كأداة لتصفية الخصوم، منذ ما تصفه المعارضة بـ«الانقلاب الذاتي» في يوليو 2021.

ويتزامن هذا المشهد مع الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة الربيع العربي التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في مفارقة تاريخية حادة تعكس، وفق مراقبين، انتقال تونس من نموذج أمل ديمقراطي إلى ساحة ارتداد سلطوي متسارع.

جبهة الخلاص تتحرك

أعلنت جبهة الخلاص الوطني، التي تضم أحزابًا وقوى سياسية متنوعة من بينها حركة النهضة وتيارات علمانية، أن أعضاء من هيئتها التنفيذية وأنصارها سيشاركون في إضراب عن الطعام لمدة ثلاثة أيام، دعمًا للمحامي والناشط الحقوقي عياشي الهمامي، الذي صدر بحقه مؤخرًا حكم بالسجن خمس سنوات، إلى جانب عشرات المعتقلين السياسيين.

وقدمت الجبهة الإضراب باعتباره موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا في مواجهة ما وصفته بـ«الحكم الاستبدادي»، وسياسات «تجريم العمل السياسي والمدني وحرية التعبير». وأكدت أن هذه الخطوة تأتي ردًا على مسار متكامل يستهدف تفريغ الحياة العامة من أي معارضة حقيقية.

الهمامي، وهو من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في تونس، كان قد بدأ إضرابًا فرديًا عن الطعام فور اعتقاله في 2 ديسمبر، احتجاجًا على إدانته في ما يعرف بـ«قضية التآمر»، واصفًا الحكم بأنه تعسفي ومسيس ويهدف إلى إسكات الأصوات القانونية المستقلة.

المحامون في الواجهة

بالتوازي مع تحرك المعارضة السياسية، أعلن 32 محاميًا تونسيًا، من بينهم نقيبا المحامين السابقان عبد الرزاق الكيلاني وشوقي الطبيب، مشاركتهم في إضراب عن الطعام يبدأ في اليوم ذاته. واعتبر المحامون أن الإضراب يأتي رفضًا لـ«المحاكمات غير العادلة» وتضامنًا مع سجناء الرأي، في خطوة حوّلت مكاتب المحاماة من فضاءات مهنية إلى ساحات مقاومة قانونية.

ويرى مراقبون أن انخراط المحامين، بما يمثلونه من رمزية دستورية وقانونية، يشكل تطورًا نوعيًا في مسار الاحتجاج، إذ يضرب مباشرة في قلب شرعية المنظومة القضائية التي تستند إليها السلطة في تبرير حملتها على الخصوم.

سلسلة إضرابات متواصلة

لا تأتي هذه التحركات بمعزل عن سياق أوسع من الإضرابات الفردية والجماعية التي شهدتها تونس طوال عام 2025. ففي نوفمبر، خاض المعارض البارز جواهر بن مبارك، أحد مؤسسي جبهة الخلاص، إضرابًا عن الطعام استمر 17 يومًا داخل السجن، احتجاجًا على حكم بالسجن 20 عامًا بتهمة «التآمر على أمن الدولة».

وعقب تعليق إضرابه، اتهمت عائلته إدارة السجن بتعريضه لاعتداءات جسدية عنيفة، شملت كسرًا في الأضلاع وفقدانًا للوعي، ما أثار موجة إدانات حقوقية واسعة.

كما انضم زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي (84 عامًا) في نوفمبر إلى إضراب تضامني عن الطعام، إلى جانب شخصيات أخرى مثل عصام الشابي، احتجاجًا على ما وصفوه بتدمير استقلال القضاء وتحويله إلى ذراع تنفيذية بيد السلطة.

وفي يناير من العام نفسه، خاضت الناشطة سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، إضرابًا عن الطعام استمر تسعة أيام، اعتراضًا على احتجازها بتهم تتعلق بالاحتيال، وصفتها منظمات حقوقية بأنها شكل من أشكال «المضايقة القضائية» الهادفة لتصفية مسار العدالة الانتقالية.

الانقلاب المؤسسي

تعود جذور الأزمة الحالية إلى قرارات قيس سعيّد في يوليو 2021، حين أقال رئيس الحكومة، وعلّق عمل البرلمان، قبل أن يعيد صياغة الدستور بما يكرّس تركيز السلطات في يده. وقد فتح هذا المسار الباب أمام محاكمات جماعية واسعة، أبرزها جلسة الاستئناف في 27 نوفمبر في «قضية التآمر»، التي صدرت فيها أحكام بحق 34 متهمًا، من سياسيين ومحامين ونشطاء، وصلت إلى 45 عامًا سجنًا، استنادًا إلى تهم فضفاضة تتعلق بـ«التآمر على الدولة».

ومن بين أبرز المعتقلين في هذا الملف، أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص، الذي أُوقف في ديسمبر لتنفيذ حكم بالسجن 12 عامًا، في خطوة اعتبرتها المعارضة رسالة ردع مباشرة لبقية الفاعلين السياسيين.

الشارع يتحرك

ترافقت هذه التطورات مع موجة احتجاجات شعبية، كان أبرزها تظاهرة حاشدة في العاصمة تونس يوم 13 ديسمبر، شارك فيها آلاف المحتجين، رافعين شعارات تندد بـ«حكم الفرد الواحد» وتطالب باستعادة المسار الديمقراطي.

كما أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل عن إضراب عام على مستوى البلاد في 21 يناير 2026، ما يضيف ثقلًا اجتماعيًا ونقابيًا إلى الحراك المعارض، ويزيد من الضغط على السلطة في مرحلة اقتصادية شديدة الهشاشة.

تونس وتراجع الحريات

منذ ثورة 2011، شهد المسار التونسي تحولات جذرية، لكن السنوات الأخيرة سجلت، وفق تقارير دولية، تراجعًا حادًا في منسوب الحريات واستقلال القضاء. فقد صنف تقرير فريدوم هاوس 2025 تونس كدولة «حرة جزئيًا»، بمنحها 44 نقطة من 100، مقارنة بـ51 نقطة في العام السابق، مشيرًا إلى تقييد التعددية السياسية، وتقويض نزاهة الانتخابات، وتضييق الخناق على الإعلام.

وأكد تقرير هيومن رايتس ووتش 2025 وجود أكثر من 80 معتقلًا سياسيًا حتى نوفمبر، اعتُقلوا بسبب ممارستهم حقوقهم الأساسية، في ظل ما وصفه التقرير بـ«التقويض المنهجي» لاستقلال القضاء.

من جانبها، وثقت منظمة العفو الدولية 90 قضية ملاحقة قضائية بين عامي 2020 و2024 بسبب احتجاجات سلمية، استنادًا إلى قوانين فضفاضة تتعلق بـ«عرقلة السير»، ما خلق مناخ ردع واسع ضد أي تعبير اجتماعي أو اقتصادي معارض.

تآكل الحريات العامة

شهدت حرية التعبير والتجمع والإعلام تراجعًا حادًا، خاصة بعد إصدار المرسوم 54 المتعلق بالجرائم الإلكترونية عام 2022، الذي فرض عقوبات قاسية على ما يُصنف كـ«أخبار كاذبة». وقد أدى هذا المرسوم إلى سجن صحفيين بارزين، مثل زياد الهني وسنية الدهماني، بسبب انتقاداتهم العلنية للسلطة أو لقضايا عنصرية داخل المجتمع.

كما واجهت الاحتجاجات السلمية قمعًا متكررًا باستخدام الغاز المسيل للدموع والاعتقالات، رغم تسجيل أكثر من 2639 تحركًا احتجاجيًا خلال 2024، ركز معظمها على البطالة المرتفعة بين الشباب (40.5%) وغلاء المعيشة (9.4%).

وسجلت منظمات حقوقية تراجعًا غير مسبوق في حرية الإعلام، مع 39 قضية ملاحقة ضد صحفيين منذ مايو 2023، وسجن خمسة منهم حتى نوفمبر 2025، فيما تحدثت منظمة مراسلون بلا حدود عن «انهيار دراماتيكي» في وضع الصحافة.

القضاء تحت الهيمنة

أدت إصلاحات سعيّد إلى تسييس القضاء، عبر منحه صلاحيات واسعة لعزل القضاة، وتجريد المحكمة الإدارية من الإشراف على الانتخابات. ورغم صدور قرار من المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بتعليق مراسيم عزل 57 قاضيًا في 2022، فإن التنفيذ ظل معلقًا.

واتسمت المحاكمات الجماعية، وعلى رأسها «قضية التآمر»، بعيوب إجرائية جسيمة، من جلسات عبر الاتصال المرئي، إلى حرمان المتهمين من الحضور الشخصي أو الوقت الكافي لإعداد الدفاع. ووصفت اللجنة الدولية للحقوقيين هذه الإجراءات بأنها «مهزلة قضائية»، فيما اعتبرتها هيومن رايتس ووتش محاكمات ذات دوافع سياسية صريحة.

أصوات قانونية وحقوقية

أدانت منظمات قانونية دولية اعتقال عياشي الهمامي، حيث وصفت الرابطة الأوروبية للمحامين من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان توقيفه بأنه تعسفي، ويشكل انتقامًا مباشرًا من مهنته، مطالبة بالإفراج عنه واحترام استقلال المحاماة وفق مبادئ الأمم المتحدة والدستور التونسي.

بدوره، أكد رئيس نقابة المحامين السابق، شوقي الطبيب، الذي انضم إلى إضراب المحامين، أن الإضراب يرفض "المحاكمات غير العادلة" وسيطرة السلطة التنفيذية على المحاكم. وهو الموقف ذاته الذي تبناه معهد حقوق الإنسان التابع لرابطة المحامين الدولية (IBAHRI)، إذ يعتبر الملاحقات القضائية بمثابة تقويض للمحاكمات العادلة.

في المقابل، شدد نشطاء حقوق الإنسان على أن ما يجري يمثل قمعًا ممنهجًا، حيث وصف بسام خواجة من هيومن رايتس ووتش اعتقال سهام بن سدرين بأنه «انتقام سياسي لتشويه العدالة الانتقالية»، فيما حذرت خبراء أمميون من «تحرش قضائي» ممنهج.

كما أدانت هبة مرايف من منظمة العفو الدولية "العمليات الانتقامية التي لا أساس لها" والتي ترهب المعارضة، وحثت على إلغاء القوانين الغامضة. وانتقد الناشط عادل بن غازي العدالة الانتقالية باعتبارها "قضية متعثرة"، حيث يُحرم الضحايا من الإنصاف وسط حملات القمع.
 

الكلمات المفتاحية:#تونس

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال