الوزان يكشف لـ "180 تحقيقات" خفايا الاتفاقات السرية بين بغداد وطهران وواشنطن
يعيش العراق على صفيح ساخن، وسط تجاذبات أمنية وسياسية تضعه في قلب العاصفة الإقليمية. فبين تهديدات بضربات إسرائيلية-أمريكية وشيكة، وبين إعلانات مفاجئة لفصائل مسلحة حول "حصر السلاح"، تبرز تساؤلات كبرى حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
في حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، يضع الكاتب الصحفي والخبير السياسي العراقي أ.د. عبد الكريم الوزان النقاط على الحروف، مفككاً شيفرة التحركات الأخيرة، ورابطاً إياها بالدور الباكستاني المتصاعد، وبالضغوط التي يمارسها مبعوثو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
العراق بين كماشة التهديد الخارجي والارتباك الداخلي
يمر العراق اليوم بواحدة من أصعب مراحله الأمنية منذ سنوات. فمع استمرار نشاط الفصائل المسلحة واستهدافها لمواقع إقليمية، تصاعدت حدة التحذيرات من "رد إسرائيلي" مدعوم أمريكياً قد يستهدف بنى تحتية أو قيادات فصائل داخل الأراضي العراقية، هذا التهديد وضع الحكومة العراقية في مأزق حقيقي؛ فهي من جهة تحاول الحفاظ على سيادتها، ومن جهة أخرى تعجز عن كبح جماح الفصائل التي تعتبر نفسها جزءاً من "محور المقاومة".
في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز تحركات دبلوماسية لافتة، من بينها الزيارة الأخيرة لوفد باكستاني رفيع المستوى إلى بغداد. باكستان، بصفتها دولة إسلامية كبرى وقوة نووية، تمتلك مصالح مشتركة مع العراق تتجاوز الجانب الاقتصادي لتصل إلى العمق الديني والاستراتيجي. يرى المراقبون أن هذه التحركات تأتي في توقيت حساس تهدف فيه بغداد لحشد دعم إسلامي ودولي لتجنيب البلاد ضربة عسكرية محتملة.
بالتزامن مع هذه التحركات، خرجت تصريحات من بعض الفصائل المسلحة تتحدث عن "حصر السلاح بيد الدولة". هذا التحول الذي بدا مفاجئاً للكثيرين، أثار ريبة المحللين؛ فهل هو تنازل حقيقي أم "تكتيك" لامتصاص الغضب الأمريكي؟ وهنا يأتي دور القضاء العراقي، حيث أثار حضور رئيس مجلس القضاء الأعلى في اجتماعات تتعلق بملف السلاح والميليشيات جدلاً واسعاً، كونه خروجاً عن العرف القضائي التقليدي، مما يعزز فرضية وجود "ضغوط استثنائية" تحرك المشهد العراقي حالياً.
رسائل الفصائل وسلاح "المناورة".. هل هو قرار إيراني؟
في تحليله لملف حصر السلاح، يؤكد أ.د. عبد الكريم الوزان أن حديث الفصائل المسلحة عن هذا الملف لا يمكن أن يكون عفوياً أو نابعاً من إرادة داخلية بحتة.
ويقول الوزان لـ "180 تحقيقات" ، "لا يمكن أن يكون حديث الفصائل بمعزل عن إيران أو بتوجيه مباشر منها. عندما نتحدث عن هذا التناغم، فنحن نتحدث عن عمل مخابراتي وأمني منظم بامتياز".
ويرى الوزان أن الهدف من هذه التصريحات هو إيصال رسالة "تهدئة" مدروسة للخصم (الولايات المتحدة وإسرائيل)، أو أنها تأتي نتاجاً لـ "اتفاق سري" بين المثلث (إيران، إسرائيل، أمريكا) يضمن استقرار الحكومة الحالية وبقاء الفصائل بعيداً عن الاستهداف المباشر مقابل "تجميد" نشاطها العسكري مؤقتاً.
القضاء في مواجهة الميليشيات: دور غير مبرر؟
توقف الدكتور عبد الكريم الوزان عند نقطة جوهرية تتعلق بدخول رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي على خط أزمة السلاح. واعتبر الوزان أن هذا التدخل "غير مبرر" مهنياً وقانونياً.
ويوضح الوزان: "لا علاقة للقضاء العراقي من الناحية الفنية بملف توزيع السلاح أو إدارة الميليشيات. هذا التواجد يؤكد أن الموضوع برمته هو مناورة سياسية بحتة، تهدف لإضفاء شرعية قانونية على تفاهمات سياسية هشة". هذا الحضور القضائي، حسب الوزان، هو محاولة لتطمئة المجتمع الدولي بأن "الدولة" بمؤسساتها الدستورية هي من تقود عملية الإصلاح الأمني، بينما الحقيقة قد تكون أعمق من ذلك.
ضغوط "مبعوثي ترامب" والتنازل الإيراني المرتقب
يربط الوزان بين هذه التحركات وبين اقتراب عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فمبعوثو ترامب بدأوا بالفعل بممارسة ضغوط وصفت بـ"الشديدة" على صانع القرار في بغداد وطهران.
ويكشف الوزان لـ "180 تحقيقات" أن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في توضيح مسارين لا ثالث لهما المسار الأول نجاح "الاتفاق السري" الذي يضمن بقاء الوضع على ما هو عليه مع تقليم أظافر الفصائل إعلامياً والمسار الثاني حدوث تراجع وتنازل إيراني كبير في الملف العراقي لتجنب المواجهة المباشرة مع إدارة ترامب الجديدة، التي تُعرف بتبنيها سياسة "الضغط الأقصى".
العراق وباكستان: العمق الإسلامي في مواجهة العاصفة
حول الدور الباكستاني، يرى الوزان أن زيارة الوفد الباكستاني للعراق في هذا التوقيت ليست بروتوكولية فحسب. فباكستان تدرك ثقل العراق الديني والاستراتيجي، والعراق يبحث عن "ظهير إسلامي" غير عربي لتعزيز موقفه التفاوضي.
إن تزامن هذه الزيارة مع التهديدات الإسرائيلية يعكس رغبة بغداد في إظهار أن المساس بأمن العراق سيؤدي إلى قلق واسع في العالم الإسلامي، وهي ورقة ضغط يحاول العراق اللعب بها في اللحظات الأخيرة.
الوزان يكشف لـ "180 تحقيقات" خفايا الاتفاقات السرية بين بغداد وطهران وواشنطن
يخلص الوزان في حديثه لـ "180 تحقيقات" إلى أن المشهد الحالي في العراق هو عبارة عن "مسرحية سياسية" بأدوار موزعة بدقة بين طهران وبغداد. إن إعلان الفصائل عن حصر السلاح ليس نهاية للميليشيات، بل هو "انحناء للعاصفة" بانتظار ما ستسفر عنه تفاهمات الكبار.
يبقى التساؤل القائم، هل ستكتفي واشنطن وتل أبيب بهذه المناورات؟ أم أن الضربة العسكرية قادمة لا محالة بمجرد انتهاء مفعول "المسكنات السياسية" التي تقدمها إيران عبر وكلائها في العراق؟.










