أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، الاثنين، فرض حظر شامل على المسيرات الجديدة المصنّعة في الخارج، في خطوة تُقصي فعليًا الطائرات المسيّرة الصينية من السوق الأمريكية، وعلى رأسها منتجات شركتي DJI وAutel. القرار، الذي جاء بعد إقرار الكونجرس مشروع قانون الدفاع السنوي، عُرض رسميًا باعتباره إجراءً لحماية الأمن القومي، لكنه في جوهره يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في مقاربة واشنطن للتكنولوجيا الصينية.
اللافت أن الحظر لا يقتصر على الشركات الصينية وحدها، بل يمتد ليشمل جميع الطائرات المسيّرة ومكوناتها الحيوية المصنّعة خارج الولايات المتحدة، ما يعني أن القرار يتجاوز البعد الأمني الضيق إلى إعادة هندسة سوق كاملة، ظلت لسنوات تعتمد بشكل شبه كامل على سلاسل توريد خارجية، وفق ما أوردته شبكة ABC News.
الصين والمسيّرات.. هيمنة مقلقة
الطائرات المسيّرة الصينية، وعلى رأسها DJI، أصبحت لاعبًا مهيمنًا في السوق الأمريكية خلال العقد الأخير، مستخدمة على نطاق واسع في الزراعة، وأعمال المسح الجغرافي، ورسم الخرائط، وإنفاذ القانون، وصناعة الأفلام. هذا الانتشار لم يكن هامشيًا، بل بلغ حد الاعتماد المؤسسي، خصوصًا في الأجهزة الأمنية والبلديات الكبرى.
وبحسب تقرير صادر عن مدينة نيويورك عام 2024، تمتلك شرطة المدينة نحو 40 طائرة مسيّرة صينية الصنع، تمثل قرابة 40% من إجمالي أسطولها، وهو رقم يكشف حجم التشابك بين التكنولوجيا الصينية والبنية الأمنية الأمريكية، ويشرح في الوقت نفسه مستوى القلق داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
مخاطر غير مقبولة
بررت لجنة الاتصالات الفيدرالية قرارها بأن المراجعة الأمنية خلصت إلى أن جميع المسيرات والمكونات الحيوية المنتجة في دول أجنبية تشكل «مخاطر غير مقبولة على الأمن القومي الأمريكي وسلامة الأشخاص داخل الولايات المتحدة». هذا التوصيف الواسع يعكس ذهنية أمنية شاملة، لا تميّز بين دولة وأخرى بقدر ما تستهدف فكرة الاعتماد الخارجي ذاتها.
ومع ذلك، ترك القرار نافذة استثناءات محدودة، إذ أوضحت اللجنة أن طائرات أو مكونات بعينها قد تُعفى من الحظر، إذا قررت وزارة الدفاع الأمريكية أو وزارة الأمن الداخلي أنها لا تمثل تهديدًا، ما يفتح الباب أمام اعتبارات سياسية وانتقائية في تطبيق القرار.
أحداث كبرى وحسابات أمن
ربطت لجنة الاتصالات الفيدرالية بين قرار الحظر واستضافة الولايات المتحدة لعدد من الفعاليات الكبرى المرتقبة، مثل كأس العالم لكرة القدم 2026، واحتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس أمريكا، ودورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2028 في لوس أنجلوس. واعتبرت أن هذه الأحداث تمثل بيئة حساسة قد تستغلها «جهات إجرامية، أو أطراف أجنبية معادية، أو إرهابيون» عبر الطائرات المسيّرة.
هذا الربط يعكس توسيع مفهوم التهديد، من مخاطر تجسس محتملة إلى سيناريوهات أمنية واسعة، تُستخدم لتبرير قرارات استباقية ذات طابع جذري، حتى لو أدت إلى إرباك السوق أو الإضرار بمستخدمين مدنيين ومؤسسات محلية.
صناعة أمريكية ناشئة
قوبل القرار بترحيب واضح من أوساط الصناعة الأمريكية. وقال مايكل روبنز، رئيس جمعية أنظمة المركبات غير المأهولة الدولية (AUVSI)، إن الوقت قد حان لأن تتوقف الولايات المتحدة عن الاكتفاء بتقليص اعتمادها على الصين، وأن تبدأ فعليًا في بناء قدراتها الذاتية في تصنيع الطائرات المسيّرة.
روبنز أشار إلى أن التاريخ القريب أظهر استعداد بكين لاستخدام سلاسل الإمداد كسلاح استراتيجي، مستشهدًا بقيود فرضتها الصين على تصدير مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، وهو ما عزز قناعة دوائر أمريكية بأن الاستقلال الصناعي لم يعد خيارًا اقتصاديًا، بل ضرورة أمنية.
احتجاج صيني مباشر
في المقابل، ردّت بكين بلهجة حادة على القرار. وقالت وزارة الخارجية الصينية إن على الولايات المتحدة «تصحيح الممارسات الخاطئة وتوفير العدالة للشركات الصينية»، ووصفت الحظر بأنه إجراء تمييزي يتعارض مع مبادئ السوق المفتوحة.
شركة DJI بدورها أعربت عن خيبة أملها من قرار لجنة الاتصالات الفيدرالية، مؤكدة أن الشركة لم تُستهدف بشكل مباشر، لكن لم يتم الكشف عن الأسس التي اعتمدها الفرع التنفيذي الأمريكي في التوصل إلى هذا القرار. وأضافت أن المخاوف المتعلقة بأمن البيانات «لا تستند إلى أدلة ملموسة، بل تعكس نزعة حمائية واضحة».
كلفة على المستخدمين
بعيدًا عن الصراع السياسي، بدأت آثار القرار بالظهور على مستخدمين أمريكيين اعتمدوا لسنوات على الطائرات المسيّرة الصينية. ففي ولاية تكساس، قال جين روبنسون، الذي يمتلك أسطولًا من تسع طائرات DJI يستخدمها في تدريب جهات إنفاذ القانون والتحقيقات الجنائية، إن القيود الجديدة ستلحق به وبغيره أضرارًا مباشرة.
ورغم تفهمه للدوافع الاستراتيجية للقرار، أقرّ روبنسون بأن الولايات المتحدة «تدفع اليوم ثمن تفويض التصنيع للصين»، معتبرًا أن العودة إلى الاعتماد على الذات ستكون مؤلمة، لكنها ضرورية لتجنب تكرار هذا السيناريو مستقبلًا.
فرصة أم فوضى؟
من جانب آخر، يرى بعض المصنعين الأمريكيين في خروج DJI من السوق فرصة تاريخية. آرثر إريكسون، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «هيليو» المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة، أكد أن الاستثمارات بدأت تتدفق بالفعل لتوسيع الإنتاج المحلي، خصوصًا في قطاع الزراعة.
غير أن إريكسون وصف توسيع الحظر ليشمل جميع الطائرات والمكونات الأجنبية بأنه «أمر جنوني وغير متوقع»، محذرًا من أن الانتقال السريع دون بدائل جاهزة قد يخلق فجوة تقنية وسعرية، يدفع ثمنها المستخدم الأمريكي قبل أي طرف آخر.
في المحصلة، يعكس قرار لجنة الاتصالات الفيدرالية تحوّلًا جذريًا في العقلية الأمريكية، حيث باتت التكنولوجيا ساحة صراع جيوسياسي مفتوح، تُدار فيها القرارات الاقتصادية بمنطق الأمن القومي، لا المنافسة الحرة. وبينما تسعى واشنطن إلى تقليص نفوذ بكين التكنولوجي، تبدو السماء الأمريكية مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل قسرية، عنوانها الفصل بين السياسة والسوق… ولو إلى حين.










