20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: حين تسقط النخب العسكرية من السماء: ماذا يكشف حادث أنقرة عن هشاشة الأمن الليبي؟

د. محمد الصاوي يكتب: حين تسقط النخب العسكرية من السماء: ماذا يكشف حادث أنقرة عن هشاشة الأمن الليبي؟

بقلم: د. محمد الصاوي
٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
27 مشاهدة
الأمن الليبي

الأمن الليبي

د. محمد الصاوي يكتب: حين تسقط النخب العسكرية من السماء: ماذا يكشف حادث أنقرة عن هشاشة الأمن الليبي؟


لم يكن سقوط طائرة تقل رئيس أركان الجيش الليبي في أنقرة حادث طيران عابرًا، بقدر ما كان لحظة كاشفة لهشاشة بنية الدولة الليبية، وحدود توازنات الأمن الإقليمي في شرق المتوسط. ففي بيئات الدول الهشّة، لا تُقاس خطورة الحوادث بحجم الخسائر البشرية فقط، بل بقدرتها على تفجير أسئلة الاستقرار والسلطة والشرعية دفعة واحدة.

 حادث تقني أم اختبار سياسي؟

في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، تحطمت طائرة كانت تقل رئيس أركان الجيش الليبي الفريق أول محمد الحداد وعددًا من مرافقيه، عقب إقلاعها من أنقرة في زيارة رسمية. ورغم توصيف الحادث رسميًا بوصفه خللًا فنيًا قيد التحقيق، إلا أن التجربة الدولية تشير إلى أن سقوط النخب العسكرية غالبًا ما يتجاوز الإطار التقني، ليتحوّل إلى حدث سياسي وأمني بامتياز.

 العلاقات الليبية–التركية: صدمة بلا قطيعة

على خلاف قراءات متسرعة، لا تبدو العلاقات الليبية–التركية مرشحة لاهتزاز استراتيجي بسبب الحادث، وذلك لثلاثة اعتبارات رئيسية:

أولًا: الطابع المؤسسي للعلاقة
التعاون العسكري بين أنقرة وطرابلس يستند إلى اتفاقيات رسمية موقعة منذ عام 2019، ما يجعل العلاقة أقل ارتباطًا بالأفراد وأكثر ارتباطًا بالبنية المؤسسية.

ثانيًا: ليبيا في الحسابات الإقليمية التركية
تمثل ليبيا عمقًا استراتيجيًا لتركيا في شرق المتوسط، وأي تراجع مفاجئ عن هذا الدور يضر بالمصالح التركية ذاتها.

ثالثًا: إدارة الأزمات في السياسة الخارجية التركية
أظهرت التجربة التركية في سوريا وأذربيجان والعراق ميلًا واضحًا إلى احتواء الصدمات عبر تعزيز التنسيق، لا الانكفاء.

 الارتداد الحقيقي داخل ليبيا

التأثير الأعمق للحادث لا يقع في أنقرة، بل في طرابلس. فقد كان رئيس الأركان الراحل يمثل حلقة وصل بين مكونات عسكرية متنافسة، وواجهة تنسيق مع شركاء دوليين، وعنصر توازن داخل مؤسسة لم تكتمل وحدتها بعد.

غيابه المفاجئ يفتح الباب أمام:

*     صراع صامت على الخلافة داخل المؤسسة العسكرية
* تعثر مسارات توحيد الجيش
* تنامي نفوذ الفاعلين المسلحين خارج الأطر النظامية

وهنا تتجلى المعضلة الليبية المزمنة:
الدولة التي لا تمتلك مؤسسات صلبة، تتحول فيها الحوادث الفردية إلى أزمات بنيوية.


ما بعد الحادث: سيناريوهات داخل المؤسسة العسكرية الليبية

يتوقف المسار الذي ستسلكه تداعيات الحادث داخل ليبيا على كيفية إدارة لحظة ما بعد الصدمة. 
-فالسيناريو الأول يتمثل في احتواء سريع عبر توافق مؤقت داخل المؤسسة العسكرية، يهدف إلى منع الفراغ والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن.
 
-أما السيناريو الثاني، فيتمثل في صراع بارد على الخلافة، قد لا ينفجر علنًا لكنه يُضعف مسارات توحيد الجيش ويمنح الفاعلين المسلحين هامش حركة أوسع. 

-بينما يظل السيناريو الأخطر هو إعادة إنتاج الانقسام الأمني عبر تداخل الحسابات المحلية مع مصالح داعمين خارجيين، ما يحوّل الحادث من واقعة عابرة إلى نقطة انعطاف في مسار الاستقرار الهش.

 ماذا تقول المقارنات الدولية؟

تُظهر التجارب الدولية أن خطورة الحوادث لا تكمن في أسبابها، بل في كيفية إدارتها:
*     بولندا (2010): تحوّل حادث تحطم طائرة الرئاسة إلى أداة استقطاب سياسي طويل الأمد.
* إيران (2024): احتواء سريع للصدمة بفضل انتقال منظم للسلطة وتماسك مؤسسي.
* روسيا (2023): قراءة الحادث ضمن منطق إعادة ضبط النخب وتعزيز مركزية الدولة.

تقف ليبيا خارج هذه النماذج؛ فهي لا تمتلك استقطاباً ديمقراطيًا منضبطاً ، ولا مركزية سلطوية قادرة على الاحتواء، ما يجعلها في المنطقة الأخطر: منطقة الفراغ المؤسسي.


 
الانعكاسات الإقليمية: ترقّب بلا تصعيد

إقليميًا، يسود الحذر دون مؤشرات على تصعيد مباشر:
-تركيا: تثبيت الشراكة وتحييد التسييس
-مصر وروسيا: مراقبة هادئة
-أوروبا: قلق مرتبط بالهجرة والاستقرار

الصمت الإقليمي هنا لا يعني التجاهل، بل انتظار مسار ما بعد الحادث داخل ليبيا.

 الخلاصة: الخطر في ما بعد السقوط

في الصراعات المفتوحة، لا تُقاس خطورة الحوادث بما تُسقطه من أشخاص، بل بما تكشفه من فراغات داخل بنية الدولة. سقوط الطائرة ليس الخطر الحقيقي؛ الخطر يكمن في هشاشة المؤسسات التي تجعل من أي حادث اختبارًا وجوديًا للدولة.

أما ليبيا، فهي اليوم أمام اختبار صامت:
إما أن تعبر الحادث بوصفه مأساة عابرة، أو تسمح له بأن يتحول إلى علامة جديدة على هشاشة لم تُعالَج بعد.

مراجع: 
 - تحطم الطائرة التي كانت تقل رئيس أركان الجيش الليبي قرب أنقرة
‏https://www.reuters.com/world/middle-east/signal-lost-with-jet-believed-be-carrying-libyan-army-chief-over-ankara-media-2025-12-23/  

-عثور السلطات التركية على حطام الطائرة بعد فقدان الاتصال
‏https://www.aa.com.tr/en/middle-east/wreckage-of-tripoli-bound-jet-carrying-libyan-army-chief-found-near-ankara-turkish-interior-minister/3779098  


-تأكيد حكومة الوحدة الوطنية الليبية وفاة رئيس الأركان وعدد من المرافقين
‏https://www.aa.com.tr/en/middle-east/libya-s-tripoli-based-government-confirms-death-of-army-chief-in-plane-crash-near-ankara/3779172  


-تفاصيل فقدان الاتصال وإرسال إشارة هبوط اضطراري
‏https://www.aa.com.tr/en/middle-east/contact-lost-with-tripoli-bound-jet-carrying-libyan-army-chief-near-ankara-turkish-interior-minister/3779098

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي يكتب: حين تسقط النخب العسكرية من السماء: ماذا يكشف حادث أنقرة عن هشاشة الأمن الليبي؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°