الجزائر صادقت اليوم الأربعاء على مقترح قانون تاريخي يجرّم الاستعمار الفرنسي، وذلك خلال جلسة علنية للمجلس الشعبي الوطني ترأسها رئيس المجلس إبراهيم بوغالي، بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان نجيبة جيلالي وأعضاء من الحكومة.
وجاءت المصادقة بالإجماع، في خطوة تعكس وحدة الموقف السياسي والشعبي تجاه ضرورة مواجهة إرث الاستعمار الذي امتد من 14 يونيو 1830 حتى 5 يوليو 1962، وما خلفه من آثار مباشرة وغير مباشرة استمرت حتى بعد الاستقلال.
الجزائر تعتمد إطاراً قانونياً شاملاً من 26 مادة
الجزائر وضعت من خلال هذا القانون إطاراً قانونياً متكاملاً يتضمن 26 مادة موزعة على خمسة فصول، تهدف إلى تجريم الاستعمار الفرنسي بشكل رسمي وموثق.
ويؤكد القانون على حق الشعوب في الاكتشاف الذاتي وتطبيق العدالة التاريخية، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب.
كما يحدد مسؤولية الدولة الفرنسية عن ماضيها الاستعماري في الجزائر، ويضع آليات واضحة للمطالبة بالاعتراف والاعتذار، إضافة إلى إقرار تدابير جزائية ضد أي محاولة لتمجيد الاستعمار أو الترويج له.
الجزائر تضع جرائم الاستعمار في إطار "جريمة دولة"
الجزائر اعتبرت الاستعمار الفرنسي "جريمة دولة" تنتهك المبادئ والقيم الإنسانية والسياسية والاقتصادية والثقافية، المكرسة في القوانين والمواثيق والأعراف الدولية والوطنية.
هذا التصنيف يهدف إلى تثبيت المسؤوليات كأساس للمصالحة مع التاريخ وحماية الذاكرة الوطنية، بما يضمن أن الجرائم المرتكبة لن تُمحى من الوعي الجمعي للشعب الجزائري.
الجزائر توثق 27 شكلاً من جرائم الاستعمار الفرنسي
الجزائر صنفت في نص المادة الخامسة من القانون 27 شكلاً من الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، حيث شملت هذه الجرائم القتل وتوجيه الهجمات العسكرية ضد السكان المدنيين، والاستخدام المفرط للقوة المسلحة، إضافة إلى استعمال الأسلحة غير التقليدية والمحرمة دولياً، وزرع الألغام والتجارب والتفجيرات النووية التي خلفت آثاراً مدمرة على البيئة والإنسان.
كما تضمنت الجرائم الإعدام خارج نطاق القانون والسطو على خزينة الدولة الجزائرية، إلى جانب إخضاع الجزائريين دون غيرهم للقوانين الاستثنائية التي كرست التمييز والاضطهاد، فضلاً عن ممارسة التعذيب الجسدي والنفسي الوحشي على نطاق واسع.
هذه الانتهاكات تمثل خرقاً صارخاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي، وتؤكد حجم المعاناة التي عاشها الشعب الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية، بما يجعل توثيقها خطوة أساسية في مسار العدالة التاريخية وحماية الذاكرة الوطنية.
الجزائر تسعى للاعتراف والاعتذار من فرنسا
الجزائر من خلال هذا القانون لا تكتفي بالتوثيق القانوني للجرائم، بل تسعى إلى وضع آليات عملية للمطالبة باعتراف رسمي من الدولة الفرنسية بماضيها الاستعماري، إلى جانب تقديم اعتذار للشعب الجزائري.
هذه الخطوة تأتي في إطار تعزيز العدالة التاريخية، وإعادة الاعتبار للضحايا، وترسيخ المصالحة مع الماضي على أسس واضحة وشفافة.
الجزائر تحمي الذاكرة الوطنية وتمنع تمجيد الاستعمار
الجزائر وضعت في القانون تدابير جزائية صارمة لتجريم أي محاولة لتمجيد الاستعمار أو الترويج له، وذلك بهدف حماية الذاكرة الوطنية من التشويه أو التلاعب.
هذه الإجراءات تعكس حرص الدولة على صون التاريخ الوطني، وضمان أن الأجيال القادمة ستتعلم الحقائق كما هي، بعيداً عن أي محاولات لتزييف أو تبرير الجرائم الاستعمارية.
الجزائر تؤكد على العدالة التاريخية وعدم الإفلات من العقاب
الجزائر شددت في نص القانون على أن العدالة التاريخية هي حق للشعوب، وأن الجرائم المرتكبة خلال الحقبة الاستعمارية لا يمكن أن تسقط بالتقادم.
هذا المبدأ ينسجم مع القوانين الدولية التي تؤكد على عدم الإفلات من العقاب في الجرائم ضد الإنسانية، ويعزز مكانة الجزائر كدولة تسعى لترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف في تعاملها مع الماضي.
الجزائر ترسخ المصالحة مع التاريخ عبر القانون
الجزائر تعتبر أن هذا القانون يمثل خطوة نحو المصالحة مع التاريخ، حيث يتم الاعتراف بالجرائم وتوثيقها بشكل رسمي، مع وضع أسس قانونية لمحاسبة المسؤوليات.
هذه المصالحة لا تعني النسيان، بل تعني مواجهة الماضي بشجاعة، وحماية الذاكرة الوطنية من التلاعب، وضمان أن الشعب الجزائري سيظل واعياً بما حدث خلال الحقبة الاستعمارية.
الجزائر تكتب فصلًا جديدًا في حماية السيادة والكرامة
الجزائر بهذا القانون تكتب فصلاً جديداً في مسارها الوطني، حيث يتم تحويل المعاناة التاريخية إلى قوة قانونية تحمي السيادة والكرامة الوطنية.
القانون لا يقتصر على الماضي، بل يشكل رسالة واضحة للمستقبل بأن الجزائر لن تسمح بتكرار مثل هذه الانتهاكات، وأنها ستظل متمسكة بحقها في العدالة والحرية.








