أعلنت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية استلام جثمان المواطن الأردني الشهيد المشتبك عبدالمطلب القيسي، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من احتجازه لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة تعكس حجم التعقيدات السياسية والأمنية التي أحاطت بالملف منذ تنفيذ عملية جسر الملك حسين. وأكد الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير فؤاد المجالي أن عملية استعادة الجثمان جاءت بعد متابعة وتنسيق مع الجهات الأردنية المعنية، إلى أن تم تسلّمه عبر جسر الملك حسين (معبر الكرامة).
وأوضح المجالي أن الجثمان سُلّم إلى ذوي الشهيد عبدالمطلب القيسي لدفنه داخل المملكة، دون الخوض في تفاصيل إضافية حول ظروف الاحتجاز أو أسباب التأخير، في وقت تواصل فيه إسرائيل استخدام سياسة احتجاز الجثامين كأداة ضغط سياسية وأمنية، في انتهاك واضح للأعراف الإنسانية والقانون الدولي.
عبدالمطلب القيسي: تشييع ووداع شعبي
فجر اليوم، شيّعت عائلة الشهيد المشتبك عبدالمطلب القيسي جثمانه في أجواء غلب عليها الحزن والغضب، عقب تسلّمه من سلطات الاحتلال التي احتجزته منذ سبتمبر الماضي. وأعلن يوسف عبدالمطلب القيسي، نجل الشهيد، عبر منشور على فيسبوك، وصول الجثمان إلى الأردن، موضحًا أن الصلاة أُقيمت في مسجد وادي الشتاء قبل مواراته الثرى في مقبرة المنطقة.
وجاء التشييع بعد ساعات من تقارير إعلامية عبرية، أبرزها ما نشرته القناة 14 العبرية، تحدثت عن نية الاحتلال تسليم الجثمان بعد منتصف الليل، في وقت لم يصدر فيه حينها أي تعليق رسمي أردني، ما يعكس حساسية الملف والتعامل معه بعيدًا عن الضجيج الإعلامي حتى لحظة التسليم الفعلي.
صور | جانب من تشييع الشهيد الأردني المشتبك عبد المطلب القيسي، منفذ عملية معبر الكرامة التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين، بعد أن سلم الاحتلال جثمانه فجر اليوم. pic.twitter.com/G6VIff5jE9
— 180 درجة - تحقيقات (@180news180) December 25, 2025
عملية معبر الكرامة
تعود القضية إلى الثامن عشر من سبتمبر الماضي، حين نفّذ عبدالمطلب القيسي، المولود عام 1968، عملية إطلاق نار عند معبر الكرامة (جسر الملك حسين)، أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين، قبل أن تقوم قوات الاحتلال بإطلاق النار عليه في موقع العملية. ومنذ ذلك الحين، احتجزت إسرائيل جثمانه ضمن سياسة ممنهجة تطبقها بحق الفلسطينيين والعرب.
وفي حين أعلن جيش الاحتلال أن القيسي كان يقود شاحنة مساعدات إنسانية قادمة من الأردن، قبل تنفيذ العملية، أكدت وزارة الخارجية الأردنية آنذاك أن القيسي مدني، وكان يعمل منذ نحو ثلاثة أشهر فقط سائقًا لإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ما يسلط الضوء على المفارقة الصارخة بين العمل الإنساني الذي كان يؤديه والنهاية التي فرضها عليه الاحتلال.
من هو عبدالمطلب القيسي؟
عبدالمطلب القيسي، المعروف بين زملائه السائقين بلقب “أبو عيسى”، ينحدر من منطقة مرج الحمام – الظهير، التابعة إداريًا للواء وادي السير جنوب غربي العاصمة عمّان. وعُرف عنه عمله الطويل في قطاع الشحن والنقل، حيث أمضى سنوات في هذا المجال قبل أن ينخرط في نقل المساعدات الإنسانية.
وتشير مصادر محلية إلى أن القيسي كان يحظى بسمعة طيبة بين زملائه، وأن دخوله مجال نقل المساعدات إلى غزة جاء في سياق الظروف الإنسانية التي فرضتها الحرب والحصار، ما يمنح قصته بعدًا إنسانيًا يتجاوز الرواية الأمنية التي حاول الاحتلال ترسيخها.
سياسة احتجاز الجثامين
تكشف قضية عبدالمطلب القيسي مجددًا عن سياسة إسرائيلية ثابتة تقوم على احتجاز جثامين من تصفهم بـ«منفذي العمليات»، واستخدامها كورقة ضغط سياسية وأمنية، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. هذه السياسة لا تستهدف الضحايا وحدهم، بل تمتد معاناتها إلى العائلات التي تُحرم من حق الوداع والدفن الكريم.
وفي الحالة الأردنية، يكتسب الأمر أبعادًا إضافية، تتعلق بالسيادة والكرامة الوطنية، ما يفسر المتابعة الرسمية الحثيثة التي أفضت في النهاية إلى استعادة الجثمان. غير أن التأخير الطويل يعكس في الوقت ذاته حجم التعقيد الذي يفرضه الاحتلال حتى في أبسط الحقوق الإنسانية، مؤكّدًا أن الجثامين، في المنطق الإسرائيلي، لا تقل أهمية عن الأحياء في معادلة الردع والعقاب.










