4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

لماذا يصعب التطبيع مع إسرائيل في العراق؟.. البنية الاجتماعية والسياسية كلمة السر (تحليل)

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. للعراق خصوصًا، وضع خاص في مسألة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بسبب البنية الاجتماعية في بغداد والتي تتكون من طوائف ومذاهب متنوعة يرفض معظمها التخلي عن القضية الفلسطينية ويعتبرون التطبيع خيانة وطعنًا في ظهر الشعب الفلسطيني.

بقلم: محمد أبو غالي
٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
لماذا يصعب التطبيع مع إسرائيل في العراق؟

لماذا يصعب التطبيع مع إسرائيل في العراق؟

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. للعراق خصوصًا، وضع خاص في مسألة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بسبب البنية الاجتماعية في بغداد والتي تتكون من طوائف ومذاهب متنوعة يرفض معظمها التخلي عن القضية الفلسطينية ويعتبرون التطبيع خيانة وطعنًا في ظهر الشعب الفلسطيني.

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. مقتدى الصدر

دعا زعيم التيار الشيعي في العراق مقتدى الصدر، غلى محاسبة كل من يروج للتطبيع أيا كان منصبه إذ أن هذا الملف قد يترتب عليه تداعيات سياسية ومجتمعية تمس الاستقرار الداخلي في ظل تركيبة دينية وقومية متنوعة للبلاد.

البداية، عندما ألقى رئيس البطريركية الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم، الكاردينال لويس روفائيل ساكو، كلمة خلال قداس أعياد ميلاد المسيح في بغداد، وردت فيها مفردة "التطبيع"، وهو ما فتح الباب أمام موجة جدل واسعة تجاوزت البعد السياسي إلى أبعاد دينية واجتماعية دقيقة.

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. أبعاداً عقابية

وذكرت مصادر عراقية، أن تحميل هذه القضية أبعاداً عقابية، خاصة عندما تتصل بشخصية دينية تمثل مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع العراقي، وقد يؤدي إلى تصدع في العلاقات بين الطوائف والأعراق، في وقت يحتاج فيه العراق إلى تهدئة داخلية وتعزيز التعايش المشترك بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات.

والكلدان الكاثوليك يشكلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني، وأي تصعيد ضد مرجعياتهم الدينية قد يُفسر بوصفه استهدافاً لمكون بعينه، ما يهدد السلم الأهلي.

وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي متشابك، إذ لا تزال مسألة التطبيع مع إسرائيل مثار جدل حاد في العراق، في ظل مساعٍ دولية تقودها الولايات المتحدة لدفع بعض دول المنطقة نحو هذا المسار، مقابل رفض قوى سياسية عراقية، لا سيما المقربة من طهران، لأي نقاش علني حول هذا الملف، معتبرة إياه خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. جريمة

وكان الصدر قد شدد في تدوينة له على أن "التطبيع جريمة يعاقب عليها القانون العراقي، وكل من يحرض أو يطالب بها كائناً من كان فهو ليس بمنأى عن العقوبة". وأضاف مطالباً الجهات الرسمية بالتحرك "فعلى الجهات الرسمية المختصة القيام بواجبها فوراً"، مؤكداً في الوقت ذاته {فلا مكان للتطبيع ولا لشرعنته في العراق". وقد أعادت هذه التصريحات إلى الواجهة قانون تجريم التطبيع الذي أقره البرلمان العراقي في عام 2022.

في المقابل، أثارت كلمة الكاردينال ساكو تفسيرات متباينة، إذ قال مخاطباً رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، الذي حضر القداس "هناك كلام عن التطبيع وأتمنى من الحكومة الجديدة أن يكون التطبيع في العراق ومع العراق بلد الأنبياء، كما أن التلمود قد كتب في بابل، فالعالم يجب أن يأتي إلى العراق وليس إلى مكان آخر". وقد اعتبر البعض أن حديثه حمل طابعاً ثقافياً ودينياً أكثر منه سياسياً، بينما رأى آخرون أن استخدام المصطلح بحد ذاته يظل إشكالياً في السياق العراقي.

ورد السوداني بدوره على ما ورد في كلمة ساكو، قائلاً إن "كلمة التطبيع غير موجودة في قاموس العراق لأنها ارتبطت بكيان محتل استباح الأرض والإنسان، كما لا نحتاج إلى تطبيع إنما إلى الأخوة والمحبة والتعايش، والالتزام الشرعي والقانوني والدستوري فهو الذي يحتم علينا هذه العلاقة". وجاء هذا الرد في محاولة لاحتواء الجدل وتأكيد الموقف الرسمي الرافض لأي تقارب مع إسرائيل.

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. السجن المؤبد

ويستند الرافضون للتطبيع إلى الإطار القانوني، إذ أقر مجلس النواب العراقي قانون "تجريم التطبيع" الذي ينص على عقوبات تصل إلى السجن المؤبد، ويهدف إلى "منع إقامة العلاقات الدبلوماسية أو السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية أو أية علاقات من شكل آخر مع الكيان الصهيوني المحتل". كما تنص المادة 201 من قانون العقوبات العراقي على عقوبات مشددة بحق من يروج لـ"مبادئ الصهيونية".

شخصيات سياسية مثل مثال الآلوسي دافعت عنه، معتبرة أن التركيز على النقد يفاقم الانقسامات ويعيق مسار التعايش الوطني.

وأوضح الآلوسي أن التطبيع في جوهره يعني الإصلاح ونبذ النزاعات، وأن رفضه يعكس تمسكًا بالمواقف الفاشلة ويؤدي إلى تشديد الانقسامات بين المكونات الطائفية والإثنية.

وأكد أن تجربة اتفاق سنجار كنموذج للتطبيع، إذ ساهم الاتفاق في إعادة تنظيم الأوضاع في المنطقة التي يشكل الإيزيديون غالبية سكانها، وخلق بيئة آمنة للعيش المشترك بين مختلف الطوائف والأقليات.

وفي الوقت نفسه، شدد الآلوسي على أن فشل التطبيع في بعض المناطق يعود إلى قوى تعرقل تطبيق القوانين الدستورية أو تسعى لتقييد حقوق الأقليات وفق تفسيرات ضيقة للدين.

حساسية ملف التطبيع في البنية السياسية والاجتماعية العراقية.. حقائق تاريخية

وأكد الآلوسي أن مفهوم التطبيع يتجاوز السياسة ويشمل الإصلاح الداخلي ونبذ الصراعات التي تعيق البناء والتغيير، مؤكدًا أن العراق بحاجة إلى تبني التطبيع داخليًا لتعزيز التعايش بين جميع مكوناته.

وأضاف أن ما ذكره ساكو يمثل حقائق تاريخية، مشيرًا إلى الإرث الحضاري الغني للعراق، وأن رفض التطبيع يعد "تمسكًا بالفشل الضار"، داعيًا الحكومة المقبلة إلى خطوات عملية لدعم الاستقرار الوطني.

ولا يقيم العراق أي علاقات رسمية مع إسرائيل، ويؤكد معظم الفاعلين السياسيين أن هذا الموقف مرتبط باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية ورفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومع تصاعد السجال الأخير، يحذر محللون من أن تحويل الخلافات السياسية إلى صدامات تمس الرموز الدينية قد يعمق الانقسامات، ويضع اختباراً جديداً أمام قدرة العراق على حماية تنوعه والحفاظ على توازنه الداخلي في مرحلة شديدة الحساسية.

 

 

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

لماذا يصعب التطبيع مع إسرائيل في العراق؟.. البنية الاجتماعية والسياسية كلمة السر (تحليل) - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°