تأتي الغارات الإسرائيلية على لبنان التي نفذها الطيران الحربي فجر اليوم الجمعة لتؤكد أن المشهد الأمني على الحدود اللبنانية لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، في ظل استمرار الاحتلال بسياسة التصعيد وخرق التفاهمات المعلنة. فاستهداف مناطق شرقي وجنوبي لبنان يعكس محاولة واضحة لفرض وقائع ميدانية جديدة، تتجاوز منطق الردع المؤقت إلى استراتيجية ضغط عسكري طويل الأمد، في وقت لم تلتئم فيه بعد جراح الحرب الشاملة التي شهدها لبنان خلال العامين الماضيين.
لبنان وتصعيد جغرافي مدروس في الشرق والجنوب
امتدت الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى رقعة جغرافية واسعة شملت جرود الهرمل شرقًا وبلدات بصليا وجباع وجبل صافي ووادي كفرملكي في الجنوب، ما يشير إلى نمط استهداف متعمد لمناطق متعددة وليس ضربات معزولة. هذا الانتشار الجغرافي للغارات يعكس رسالة مزدوجة، الأولى ميدانية مفادها القدرة على الوصول إلى عمق الأراضي اللبنانية، والثانية سياسية تهدف إلى إبقاء لبنان تحت ضغط أمني دائم، حتى في غياب مواجهات مباشرة واسعة النطاق.
الرواية الإسرائيلية وتكريس منطق التبرير
في مقابل الضربات الجوية، سارع جيش الاحتلال إلى تبرير الغارات الإسرائيلية على لبنان بزعم استهداف بنى تحتية ومخازن أسلحة ومراكز تدريب تابعة لحزب الله، ولا سيما وحدة “قوة الرضوان”. هذه الرواية باتت ثابتة في الخطاب الصهيوني، وتُستخدم كغطاء سياسي وعسكري لتسويق الاعتداءات أمام المجتمع الدولي، دون تقديم أدلة ملموسة، في ظل غياب أي تقارير مستقلة تؤكد طبيعة الأهداف التي جرى قصفها.
خرق الاتفاقات واستمرار الاحتلال
رغم التوصل إلى اتفاق تهدئة في نوفمبر الماضي، تواصل الغارات الإسرائيلية على لبنان تكريس واقع الخرق الدائم لهذا الاتفاق، خاصة مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي لخمس تلال لبنانية سيطر عليها خلال الحرب. هذا السلوك يعكس نهجًا إسرائيليًا قائمًا على إدارة النزاع بدل حله، حيث يتم استخدام القوة العسكرية للحفاظ على مكاسب ميدانية، دون الالتزام بأي مسار سياسي يضمن الاستقرار أو احترام السيادة اللبنانية.

لبنان بين هشاشة الداخل وضغط الخارج
تأتي هذه الغارات في وقت يمر فيه لبنان بظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، ما يزيد من خطورة الغارات الإسرائيلية على لبنان باعتبارها عاملًا إضافيًا يهدد الاستقرار الهش. فغياب الردع الدولي الفاعل، وتراجع الاهتمام العالمي بالملف اللبناني، يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع لتنفيذ ضربات عسكرية دون خشية من تبعات دبلوماسية جدية.
رسائل إقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية
لا يمكن فصل الغارات الإسرائيلية على لبنان عن السياق الإقليمي الأوسع، إذ تحمل هذه الضربات رسائل موجهة إلى أطراف إقليمية متعددة، مفادها أن الاحتلال ما زال يعتمد الخيار العسكري كأداة رئيسية لإدارة صراعاته. كما تعكس سعيه لإعادة تثبيت معادلات ردع جديدة بعد حرب طويلة، عبر إظهار التفوق الجوي والقدرة على الضرب في أي توقيت.
مسار تصعيدي مستمر
وتكشف الغارات الإسرائيلية على لبنان عن مسار تصعيدي مستمر، يقوم على خرق الاتفاقات وفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية، في ظل صمت دولي مقلق. ومع غياب أي مؤشرات على تغيير هذا النهج، يبقى الجنوب اللبناني وسائر المناطق المستهدفة عرضة لمزيد من الاعتداءات، ما ينذر بإعادة إنتاج دوامة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة بأكملها.










