4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الشتاء في غزة ...حين يصبح الصقيع شريكًا في الحصار

في غزة، لا يحتاج الموت إلى صاروخ دائمًا، فبرد الشتاء، وخيمة مثقوبة، وطفل بلا غطاء، قد تكون كافية لإنهاء حياة، في عالم يراقب ويحصي الأرقام دون أن يغيّر المسار.

بقلم: سماح عثمان
٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
26 مشاهدة
الشتاء في غزة ...حين يصبح الصقيع شريكًا في الحصار

الشتاء في غزة ...حين يصبح الصقيع شريكًا في الحصار

في غزة، لا يحتاج الموت إلى صاروخ دائمًا، فبرد الشتاء، وخيمة مثقوبة، وطفل بلا غطاء، قد تكون كافية لإنهاء حياة، في عالم يراقب ويحصي الأرقام دون أن يغيّر المسار.

وهكذا، تتحول العواصف إلى شاهد جديد على حرب لم تتوقف، وعلى إبادة لا تُمارس فقط بالقصف، بل أيضًا بالإهمال المتعمّد، وترك المدنيين يواجهون الطبيعة عُزّلًا، تحت حصار صنعه البشر لا السماء.

الشتاء في غزة: خيام لا تصمد وأرواح تُستنزف

حذّر الدفاع المدني في قطاع غزة من أن الخيام لم تعد تمثّل أي حل إنساني قابل للاستمرار، بعدما فشلت فشلًا ذريعًا في حماية المواطنين، ولا سيما النازحين، من البرد القارس وأمطار الشتاء الغزيرة، في ظل واقع إنساني يزداد خطورة يومًا بعد يوم.

وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، أن استمرار الاعتماد على الخيام كبديل سكني في قطاع مدمّر ومحاصر يعني تعريض حياة آلاف العائلات، خصوصًا الأطفال وكبار السن، لمخاطر حقيقية، في وقت تتحول فيه الظروف الجوية القاسية إلى عامل تهديد مباشر للحياة، لا يقل فتكًا عن القصف.

الشتاء..كارثة إنسانية تحت الحصار

وقال بصل، في بيان صدر يوم الاثنين، إن الخيام انهارت عمليًا كحل إنساني، بعدما تبيّن عجزها الكامل عن توفير الحد الأدنى من الحماية، سواء من الرياح العاتية أو من مياه الأمطار التي غمرت معظمها، وحوّلتها إلى بيئة غير صالحة للعيش الآدمي.

وطالب المتحدث باسم الدفاع المدني بالبدء الفوري والعاجل بعملية إعادة الإعمار، وتوفير مساكن آمنة تحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وتحمي حياته بفصل الشتاء، مؤكدًا أن الحلول المؤقتة لم تعد مقبولة في ظل حجم الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية على القطاع منذ أكتوبر 2023.

أرقام ثقيلة وخسائر فادحة

وأوضح بصل أن 18 بناية سكنية انهارت بشكل كامل منذ بدء تأثير المنخفضات الجوية الأخيرة، ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة، في وقت تعجز فيه الجهات المحلية عن التعامل مع حجم الكارثة بسبب شحّ الإمكانات واستمرار الحصار.

وأضاف أن 25 مواطنًا توفوا نتيجة تداعيات المنخفضات الجوية، من بينهم ستة أطفال قضوا بسبب البرد القارس، بينما توفي آخرون نتيجة انهيارات المباني أو السقوط في آبار وبرك تجميع مياه الأمطار، في مشهد يعكس التداخل القاتل بين الدمار والحصار والطقس القاسي.

بيوت مهددة بالسقوط

وأشار المتحدث باسم الدفاع المدني إلى أن أكثر من 110 بناية سكنية تعرضت لانهيارات جزئية، باتت تشكّل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف المواطنين الذين يقطنون داخلها أو في محيطها، في ظل غياب أي إجراءات وقائية أو إمكانات لترميم عاجل.

خيام غارقة وكرامة مهدورة

ولفت بصل إلى أن أكثر من 90% من خيام النازحين تضررت أو غرقت بالكامل بفعل شدة الرياح وغزارة الأمطار، ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها المؤقت، وتشريدها مجددًا بعد أن كانت قد شُرّدت أصلًا بفعل الحرب.

وأوضح أن هذه الخيام لم تكتفِ بالعجز عن الحماية، بل تسببت أيضًا في تلف الملابس والأفرشة والأغطية، وفاقمت من المعاناة الإنسانية غير المسبوقة، خاصة في ظل غياب وسائل التدفئة في الشتاء القارس، ومنع إدخال مستلزمات الإيواء الأساسية.

استغاثات بلا توقف

وأفاد بصل بأن طواقم الدفاع المدني تلقت أكثر من 700 مناشدة ونداء استغاثة منذ بدء المنخفض الجوي، شملت إنقاذ محاصرين بالمياه، والتعامل مع انهيارات منازل، وأضرار جسيمة طالت خيام ومساكن مؤقتة.

وأشار إلى أن الطواقم تعمل بإمكانات محدودة للغاية، وفي ظروف بالغة الخطورة، وسط نقص حاد في الوقود والمعدات الثقيلة، ما يضاعف من صعوبة الاستجابة، ويكشف حجم الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة الفعلية على تلبيتها.

نداء عاجل للمجتمع الدولي

وجدّد المتحدث باسم الدفاع المدني دعوته العاجلة إلى المجتمع الدولي للتحرك الفوري والجاد من أجل إغاثة المواطنين في قطاع غزة، وتوفير الاحتياجات الإنسانية الطارئة، وفي مقدمتها المساكن الآمنة، قبل تفاقم الكارثة إلى مستويات لا يمكن احتواؤها.

وأكد أن ما يجري لا يمكن فصله عن مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل منع إدخال بدائل الإيواء وإعاقة إعادة الإعمار، ولا عن مسؤولية المجتمع الدولي، الذي يكتفي بالمراقبة وإصدار البيانات، بينما يُترك المدنيون لمواجهة الموت البطيء تحت المطر والبرد، في واحدة من أقسى صور العقاب الجماعي في العصر الحديث.

لم يكن المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة حدثًا مناخيًا عابرًا، بل تحوّل إلى فصل جديد من فصول المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في ظل حرب الإبادة والحصار المستمر. فقد أسفر المنخفض عن وفاة طفل وشابة، إلى جانب غرق عشرات خيام النازحين وتطاير أخرى، في مشهد يعكس هشاشة الواقع الإنساني الذي فُرض على السكان قسرًا بعد تدمير منازلهم.

وبحسب مصادر طبية ودفاع مدني في غزة، فإن الضحايا سقطوا نتيجة البرد القارس، وانعدام وسائل التدفئة، وتسرب المياه إلى الخيام المهترئة، في وقت تعجز فيه العائلات عن توفير أبسط مقومات الحماية، وسط انعدام شبه كامل للبنية التحتية، واستمرار منع إدخال مستلزمات الإيواء الطارئ.

خيام الشتاء لا تصمد

أظهرت مشاهد المنخفض الجوي حجم الكارثة التي يعيشها النازحون، حيث تحولت الخيام المصنوعة من أقمشة رقيقة ومواد بلاستيكية إلى مصائد موت، لا تقي من المطر ولا الرياح، بل تزيد من مخاطر الغرق والانهيار، خاصة مع ارتفاع منسوب المياه في المناطق المنخفضة.

وتشير إفادات نازحين إلى أن عشرات العائلات قضت ليلها في العراء بعد أن جرفت الرياح خيامهم، في ظل غياب أي استجابة طارئة كافية، وهو واقع يعكس فشلًا ممنهجًا في توفير حلول إيواء إنسانية، وليس مجرد تقصير ظرفي مرتبط بسوء الأحوال الجوية.

قيود على الإيواء

في موازاة الكارثة المناخية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود مشددة على إدخال “الكرفانات” والبدائل السكنية الجاهزة إلى قطاع غزة، رغم الحاجة الماسّة إليها بعد تدمير أحياء كاملة وتسوية آلاف المنازل بالأرض منذ أكتوبر 2023.

وبحسب تقارير أممية وتصريحات لمسؤولين إغاثيين، فإن الاحتلال يعرقل إدخال هذه الوحدات بحجج “أمنية”، ما يترك مئات الآلاف من الفلسطينيين بلا مأوى حقيقي، ويُبقيهم رهائن لخيام لا تصلح للسكن الآدمي، خاصة في فصلي الشتاء والبرد القارس.

خروقات بلا توقف

تتزامن تداعيات الشتاء مع استمرار الخروقات الإسرائيلية وواقع أمني هش، حيث لم يتوقف القصف والاستهداف المتقطع، ولم يُرفع الحصار عن المعابر، ما يضاعف من معاناة المدنيين الذين يعيشون بين خطر القتل المباشر وخطر الموت البطيء.

ويؤكد سكان القطاع أن الخوف لا يقتصر على الطائرات أو القذائف، بل يمتد إلى المرض، والشتاء، والجوع، في بيئة تُجرد فيها الحياة من معناها الأساسي، ويُترك المدنيون لمواجهة مصيرهم دون حماية، رغم وضوح صفتهم المدنية بموجب القانون الدولي.

المناخ كسلاح غير معلن

في هذا السياق، يتحول المناخ إلى عامل إبادة بطيئة، حين يُترك شعب محاصر بلا مساكن، ولا بنية تحتية، ولا وسائل تدفئة، في مواجهة برد الشتاء وأمطاره. فالعاصفة لا تقتل بذاتها، بل يقتل غياب الحماية، وحرمان الناس من أبسط شروط الصمود.

فيما تقع المسؤولية الأولى عما يجري على الاحتلال الإسرائيلي بصفته القوة القائمة بالاحتلال، والملزمة قانونيًا بحماية المدنيين وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، وفق اتفاقيات جنيف، وليس فقط الامتناع عن القتل المباشر.

وفي المقابل، يتحمّل المجتمع الدولي، وعلى رأسه أمريكا والدول الداعمة لإسرائيل، مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار هذه الكارثة، سواء عبر الدعم العسكري المباشر، أو الصمت، أو الفشل في فرض إدخال المساعدات وبدائل الإيواء، ما يجعل الموت بالبرد والجوع جزءًا من مشهد الإفلات من العقاب.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الشتاء في غزة ...حين يصبح الصقيع شريكًا في الحصار - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°