فلسطين بين سندان الإبادة ومطرقة التصفية: "أبو عبيدة" شهيداً، والأونروا مستهدفة، والأردن يبلسم الجراح
تعيش القضية الفلسطينية في هذه الآونة أدق مراحلها التاريخية، حيث تتقاطع فيها مشاهد البطولة والتضحية مع محاولات التصفية السياسية الممنهجة فبينما كانت مخيمات الشتات في لبنان تودع بدموع الغضب والوفاء الشهيد القائد حذيفة الكحلوت (أبو عبيدة)، كانت أروقة "الكنيست" الإسرائيلي تشهد تصعيداً قانونياً خطيراً يستهدف شطب "الأونروا".
وفي خضم هذا الصراع، يبرز الدور الأردني كطوق نجاة إنساني ودبلوماسي، يحاول لملمة جراح أطفال غزة عبر "الممر الطبي الأردني"، في ملحمة صمود وتضامن تعكس وحدة المصير العربي.
زلزال "أبو عبيدة" في مخيمات الشتات.. رحيل الجسد وبقاء الصوت
عمّت أجواء من الحزن العميق والغضب الشعبي المخيمات والتجمعات الفلسطينية على امتداد الأراضي اللبنانية، فور إعلان خبر ارتقاء الناطق العسكري السابق باسم كتائب "القسام" حذيفة الكحلوت، في حدث هزّ الوجدان الفلسطيني، وخلّف صدمة واسعة في صفوف اللاجئين الذين تابعوا مسيرته بوصفه أحد أبرز رموز المقاومة وصوتها الصلب في وجه عدوان الاحتلال الإسرائيلي.
استنفار عفوي في "قلاع العودة"
وفور إعلان الخبر، شهدت مخيمات عدة، من شمال لبنان إلى جنوبه، حالة استنفار شعبي عفوي، حيث تجمّع مئات الفلسطينيين في المقاهي والساحات العامة والشوارع الرئيسية داخل المخيمات وخارجها، لمتابعة كلمة الناطق الجديد باسم "القسام"، في مشاهد امتزج فيها الصمت المشحون بالدموع مع الهتافات الغاضبة، وسط حضور لافت للشباب والأطفال وكبار السن.
الساحات تتحول إلى نقاط تجمع شعبي
تحوّلت الساحات إلى نقاط تجمع شعبي، رُفعت خلالها رايات المقاومة الفلسطينية، وردّد المشاركون هتافات حيّت "أبا عبيدة"، وأكدت على خيار المقاومة نهجًا ثابتًا لا يتزعزع، في مشهد عكس حجم الارتباط العاطفي والرمزي بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ورموز المقاومة في فلسطين المحتلة. وفي عدد من المخيمات، خرجت مسيرات عفوية حاشدة جابت الأزقة والشوارع، صدحت خلالها الهتافات المؤكدة على الوفاء للشهداء، والتمسك بخيار المقاومة، والردّ على محاولات كسر الإرادة الفلسطينية.
مآذن المساجد والوعي الجمعي
لم يقتصر التفاعل على التجمعات والمسيرات، إذ صدحت مآذن المساجد في عدد من المخيمات الفلسطينية بنعي حذيفة الكحلوت، في مشهد مهيب أعاد إلى الأذهان لحظات وداع القادة الشهداء، ورسّخ مكانته في الوعي الجمعي الفلسطيني كرمز من رموز الكلمة المقاتلة والصوت الذي كان يواكب الميدان ويعبّر عن نبض المقاومة.
معركة البقاء الإداري.. الأردن يتصدى لحظر "الأونروا"
بالتوازي مع الميدان العسكري، يشن الاحتلال حرباً قانونية تهدف إلى إنهاء رمزية اللاجئ الفلسطيني. وفي هذا الصدد، أدانت وزارة الخارجية الأردنية، بأشد العبارات، إقرار كنيست الاحتلال الإسرائيلي مشروع قانون يستهدف عمل ووجود وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
انتهاك الحصانات الدولية
أكدت الوزارة، أن "القانون الإسرائيلي يسمح بمصادرة ممتلكات الوكالة وحظر تزويد منشآتها بالخدمات الأساسية"، معتبرة ذلك انتهاكاً لحصانات وامتيازات منظمات الأمم المتحدة، وخرقا فاضحا للقانون الدولي. وأوضحت أن إقرار هذه القوانين يأتي في إطار حملة استهداف ممنهجة للأونروا، ويمثل استمرارا لمساعي "إسرائيل" الرامية إلى اغتيال الوكالة سياسيا.
الأونروا: الشاهد القانوني على حق العودة
أشارت الوزارة إلى أن هذه الإجراءات تستهدف رمزية الأونروا باعتبارها "شاهدا قانونيا وسياسيا على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض وفق القانون الدولي". وحذرت الخارجية الأردنية من التداعيات الخطيرة للإجراءات "الإسرائيلية" غير القانونية، مؤكدة أن الخدمات التي تقدمها الوكالة لا يمكن الاستغناء عنها أو إحلالها.
"الممر الطبي الأردني".. بلسم في زمن الإبادة الجماعية
وفي الوقت الذي يشتد فيه الحصار، تواصل القوات المسلحة الأردنية دورها الإنساني الريادي. حيث أجلت القوات المسلحة، الاثنين، الدفعة التاسعة عشرة من الأطفال المرضى من قطاع غزة، ضمن مبادرة “الممر الطبي الأردني”.
ضمت الدفعة 20 طفلاً مريضاً و46 مرافقاً، حيث سيخضع الأطفال للعلاج في المستشفيات الأردنية، بالتنسيق مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية. كما شملت الدفعة ذاتها إجلاء 30 مريضاً و66 مرافقاً لتلقي العلاج في مركز الحسين للسرطان، بدعم من المملكة العربية السعودية، ضمن التعاون الإنساني المشترك.
أكدت القوات المسلحة أن هذا الإجراء "يأتي ضمن الدور الإنساني الذي يواصل الأردن القيام به تجاه الأشقاء الفلسطينيين، للتخفيف من معاناة المرضى والجرحى في ظل الأوضاع الصحية والإنسانية الصعبة التي يشهدها قطاع غزة". هذا الدور الذي يأتي في وقت ارتكبت فيه قوات الاحتلال منذ 7 تشرين الأول 2023 إبادة جماعية شملت القتل والتجويع والتدمير.
أرقام صادمة من رحم المعاناة
لا يمكن فهم حجم الجهد الأردني أو أثر رحيل القادة أو استهداف الأونروا دون النظر إلى الواقع الكارثي في قطاع غزة خلفت الإبادة أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء وما يزيد على 11 ألف مفقود تحت الأنقاض و مئات آلاف النازحين الذين فقدوا مأواهم ويعتمدون كلياً على ما تبقى من خدمات الأونروا وسياسة التجويع الممنهجة التي أزهقت أرواح الكثيرين، وخاصة الأطفال، مما جعل "الممر الطبي الأردني" ضرورة قصوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
التلاحم الوجداني والتفاعل الرقمي
لقد تصدّر وسم "أبو عبيدة" و "أنقذوا الأونروا" قوائم التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي. وشهدت منصات مثل إكس (تويتر سابقًا) وفيسبوك وتيليغرام انتشارًا واسعًا للمشاركات التي ربطت بين استشهاد القادة وبين الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني.
نعت "القسام" عدداً من قادتها، من ضمنهم حذيفة الكحلوت، مؤكدة استشهادهم في قصف "إسرائيلي". هذا النعي لم يفت في عضد المقاومة، بل زاد من حالة التلاحم الوجداني بين اللاجئين وقضية شعبهم، وسط شعور عام بأن المعركة واحدة، وأن دم الشهداء يوحّد الفلسطينيين أينما كانوا.










