4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

انقسام الشرعية يفجّر التحالف: مجلس القيادة يتصدّع والإمارات في قلب الصراع

دخلت الأزمة السياسية في اليمن مرحلة غير مسبوقة، بعدما أعلن أربعة أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي عدم قانونية الإجراءات التي اتخذها رئيس المجلس رشاد العليمي، وفي مقدمتها إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات

بقلم: عمرو المصري
٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
اجتماع أعضاء المجلس الرئاسي اليمني (الأناضول)

اجتماع أعضاء المجلس الرئاسي اليمني (الأناضول)

دخلت الأزمة السياسية في اليمن مرحلة غير مسبوقة، بعدما أعلن أربعة أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي عدم قانونية الإجراءات التي اتخذها رئيس المجلس رشاد العليمي، وفي مقدمتها إعلان حالة الطوارئ، وإطلاق توصيفات سياسية وأمنية وُصفت بالخطيرة، وصولاً إلى الادعاء بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والمطالبة بخروج قواتها من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة.

البيان الصادر عن اللواء عيدروس الزبيدي (المحسوب على الإمارات)، واللواء أبو زرعة المحرمي، واللواء فرج البحسني، والفريق طارق صالح، لم يكن مجرد اعتراض إجرائي، بل مثّل تحديًا مباشرًا لشرعية القرار داخل أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، وكشف عن تصدّع عميق داخل بنية مجلس القيادة الرئاسي، الذي أُنشئ أساسًا لضبط التوازنات ومنع التفرد بالسلطة خلال المرحلة الانتقالية.

هذا الموقف الجماعي من أربعة أعضاء نافذين يعكس، عمليًا، انقسامًا سياسيًا داخل “الشرعية” نفسها، ويضع قرارات العليمي في موضع نزاع دستوري وسياسي مفتوح، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة القرار، وعلى العلاقة مع التحالف العربي.

قرار بلا سند

أكد الأعضاء الأربعة أن ما صدر عن رئيس مجلس القيادة يُعد مخالفة صريحة لإعلان نقل السلطة، الذي ينص بوضوح على أن مجلس القيادة هيئة جماعية تُتخذ قراراتها بالتوافق، أو بالأغلبية عند تعذر ذلك، ولا يجيز مطلقًا لأي فرد التفرد باتخاذ قرارات سيادية أو عسكرية أو سياسية مصيرية.

وشدد البيان على أن أي قرارات تصدر خارج هذا الإطار الجماعي تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، وتُحمّل من أصدرها المسؤولية الكاملة عن التداعيات المترتبة عليها، سواء كانت سياسية أو أمنية أو قانونية أو اقتصادية. هذا التوصيف يضع قرارات العليمي في خانة “القرارات المنفردة”، ويجرّدها من الغطاء الجماعي الذي يُفترض أن يحكم عمل المجلس.

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة طبيعة مجلس القيادة الرئاسي، الذي تشكّل في أبريل 2022 عقب تنحي الرئيس عبد ربه منصور هادي، ونقل كامل صلاحياته إلى مجلس مكوّن من ثمانية أعضاء، برئاسة رشاد العليمي، لإدارة الدولة خلال مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. أي إخلال بهذه الصيغة التوافقية يفتح الباب، وفق مراقبين، أمام انهيار الإطار الذي تأسست عليه “الشرعية” بعد 2022.

الإمارات والتحالف

في ما يتعلق بإعلان إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، شدد الأعضاء الأربعة على أنه لا يملك أي فرد، داخل مجلس القيادة أو خارجه، صلاحية إخراج أي دولة من دول التحالف العربي، أو الادعاء بإنهاء دورها أو وجودها في اليمن. وأكدوا أن هذا الملف تحكمه أطر وتحالفات إقليمية واتفاقات دولية، لا تخضع للأهواء أو القرارات الفردية.

وأوضح البيان أن اتفاقية الدفاع المشترك بين اليمن والإمارات تُعد جزءًا من الإطار القانوني والسياسي الذي برر الوجود العسكري الإماراتي ضمن التحالف العربي منذ عام 2015، وأن المساس بها بقرار منفرد يُعد تجاوزًا خطيرًا لصلاحيات المجلس، وإقحامًا لليمن في صدام إقليمي غير محسوب.

كما ذكّر الموقعون بأن الإمارات كانت، ولا تزال، شريكًا رئيسيًا في مواجهة جماعة الحوثي، وقدمت تضحيات جسيمة، وأسهمت بدور محوري في تحرير مناطق واسعة، وبناء قدرات أمنية وعسكرية كان لها أثر مباشر في حماية الملاحة الدولية، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وتأمين مناطق استراتيجية داخل اليمن.

تسييس الدولة

حذّر الأعضاء الأربعة من خطورة استخدام مؤسسات الدولة، أو ما تبقى منها، لتصفية حسابات سياسية داخلية أو إقليمية، معتبرين أن هذا المسار يمثل انحرافًا خطيرًا عن الهدف الذي تشكل من أجله مجلس القيادة الرئاسي. وأكدوا أن مثل هذه الممارسات تقوض ما تبقى من الثقة الوطنية، وتضرب مصداقية “الشرعية” أمام حلفائها الإقليميين والدوليين.

ويرى مراقبون أن هذا التحذير يعكس خشية حقيقية من تحوّل الخلاف السياسي داخل المجلس إلى أزمة شرعية شاملة، تُفقد الحكومة قدرتها على التحدث بصوت واحد، وتفتح الباب أمام مزيد من الانقسام والفوضى، في وقت لا يزال فيه الحوثيون يمثلون الخطر الوجودي الأكبر على الدولة اليمنية.

مخاطر التفكك

أكد الموقعون تمسكهم بمبدأ الشراكة والعمل الجماعي، ورفضهم القاطع لأي قرارات انفرادية تُقحم اليمن في صدامات جديدة، أو تستهدف حلفاءه الإقليميين، أو تُقوّض أسس التحالف العربي الذي أُسس لمواجهة الانقلاب الحوثي. وحمّلوا من يسلك هذا المسار مسؤولية ما قد يترتب عليه من عواقب سياسية وقانونية وأمنية واقتصادية.

ويشير هذا الموقف إلى أن الخلاف لم يعد محصورًا في تفسير نصوص قانونية، بل بات صراعًا على طبيعة القرار داخل “الشرعية”، وعلى موقع اليمن داخل شبكة التحالفات الإقليمية. فالتفرد بالقرارات السيادية، خصوصًا في ملفات حساسة كالعلاقة مع الإمارات والتحالف العربي، ينذر بانفجار داخلي قد يعيد خلط الأوراق في معسكر يفترض أنه يقود المعركة ضد الحوثيين.

شرعية على المحك

تكشف هذه الأزمة عن هشاشة التوازنات التي قام عليها مجلس القيادة الرئاسي، وعن عمق الخلافات الكامنة داخله، والتي انفجرت مع أول اختبار سيادي حقيقي. فبدلاً من توحيد الصف، بات المجلس ساحة صراع على الصلاحيات والخيارات الإقليمية، ما يهدد بتحويل “الشرعية” نفسها إلى طرف منقسم على ذاته.

في المحصلة، لا يقتصر الخلاف على اتفاقية دفاع أو إعلان طوارئ، بل يمس جوهر السلطة الانتقالية في اليمن، ويضع مستقبل التحالف العربي، ووحدة القرار السياسي، واستقرار المناطق المحررة، على حافة المجهول، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال