أعلنت مصادر صحفية، خلال الساعات الماضية، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أبلغت عشرات مؤسسات الإغاثة العاملة في المجال الإنساني بقرارات رسمية تقضي بإغلاقها ومنعها من مواصلة العمل داخل الأراضي الفلسطينية، في كل من قطاع غزة والضفة الغربية. ويأتي هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تفاقم غير مسبوق للأزمة الإنسانية، خاصة في قطاع غزة الذي يتعرض منذ أكتوبر 2023 لعدوان واسع النطاق خلّف آلاف الضحايا ودمارًا شاملًا في البنية التحتية.
وبحسب ما نقلته شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية للتلفزيون العربي، فإن قرار المنع الإسرائيلي يطال عشرات المنظمات الإنسانية الدولية، ويُعد خطوة تصعيدية تستهدف شلّ ما تبقى من منظومة الإغاثة، ومنع وصول المساعدات الأساسية من غذاء ودواء وخدمات طبية إلى السكان المدنيين، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني.
استهداف ممنهج لمنظمات الإغاثة
ترى شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أن هذه الخطوة ليست إجراءً إداريًا معزولًا، بل تأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات صوت المنظمات الإنسانية، ومنعها من توثيق الجرائم والانتهاكات، إلى جانب عزل قطاع غزة بشكل كامل عن محيطه العربي والدولي. وتشير الشبكة إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه القرارات إلى تفريغ الساحة من أي وجود دولي مستقل قادر على كشف حجم الكارثة الإنسانية المتصاعدة.
وتحذّر الشبكة من أن قرار الاحتلال يحمل تداعيات خطيرة على الواقع الإنساني، خصوصًا في ظل استمرار القيود المشددة على دخول المساعدات، وتدمير المرافق الصحية، ونفاد الإمدادات الأساسية، ما يضع مئات الآلاف من المدنيين، بينهم أطفال ومرضى وكبار سن، أمام خطر مباشر يهدد حياتهم.
البرغوثي: هجوم فاشي مع منظمات الإغاثة
في تعليق سياسي وقانوني على القرار، قال د. مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، إن منع الاحتلال 37 منظمة إنسانية دولية من العمل في غزة والضفة الغربية، بالتوازي مع حصار وكالة الأونروا والهجوم المستمر على المؤسسات الأهلية الفلسطينية، يمثل جزءًا من “هجوم فاشي متكامل” يستهدف تدمير مقومات حياة الشعب الفلسطيني، وليس مجرد تضييق على العمل الإنساني.
وأضاف البرغوثي أن هذه الإجراءات تشكّل خرقًا جديدًا وفاضحًا للأعراف والقوانين الدولية، وانتهاكًا صارخًا لالتزامات الاحتلال القانونية والإنسانية بوصفه قوة احتلال، مؤكدًا أن منع المنظمات الإغاثية يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي المحظورة دوليًا، ويهدف إلى تعميق المجاعة والانهيار الصحي والاجتماعي في قطاع غزة.
تقاعس دولي
وحمّل البرغوثي الحكومات الغربية مسؤولية مباشرة عمّا وصفه بـ“الانفلات الإسرائيلي”، معتبرًا أن سلطات الاحتلال ما كانت لتصل إلى هذا المستوى من الوقاحة السياسية والقانونية، لولا تقاعس هذه الحكومات عن الدفاع عن القانون الدولي، ومؤسسات الأمم المتحدة، وحتى عن منظماتها الإنسانية الوطنية العاملة في فلسطين.
وأوضح أن هذا التقاعس، إلى جانب الخضوع للضغوط الإسرائيلية والتواطؤ مع الجرائم المرتكبة بحق المدنيين منذ أكتوبر 2023، شجّع الاحتلال على المضي قدمًا في سياساته العدوانية دون أي رادع سياسي أو قانوني، ما انعكس مباشرة على حياة ملايين الفلسطينيين.
تهديد الحياة
تشير المعطيات الميدانية، وفق تقارير إنسانية متطابقة، إلى أن الاحتلال يواصل منع دخول المساعدات الإنسانية بكميات كافية، بالتوازي مع استهدافه المنهجي لمنظومة الإغاثة، في محاولة لفرض واقع جديد ينتهك بشكل صريح مبادئ العمل الإنساني، وعلى رأسها الحياد والاستقلال وعدم التسييس.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى قرار إغلاق المنظمات الإنسانية بوصفه تهديدًا مباشرًا للحياة في قطاع غزة، حيث تتفاقم المجاعة، وتنهار المنظومة الصحية، ويُحرم السكان من أبسط مقومات البقاء، وسط صمت دولي يفتح المجال أمام الاحتلال لمواصلة سياساته دون محاسبة.
سياق العدوان
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن السياق الأوسع للعدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر 2023، والذي شهد ارتكاب مجازر واسعة بحق المدنيين، وتدميرًا ممنهجًا للمستشفيات والبنية التحتية، بدعم أمريكي سياسي وعسكري مباشر، وفر غطاءً دوليًا للاحتلال لمواصلة انتهاكاته.
وفي ظل هذا المشهد، يتحول استهداف العمل الإنساني إلى أداة إضافية في حرب شاملة على الوجود الفلسطيني، لا تقتصر على القتل والتدمير، بل تمتد إلى تجفيف مصادر الحياة، ومنع الإغاثة، ومحاصرة الحقيقة، في واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية.










