دخلت فنزويلا فجر مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب الدستوري والسياسي، بعد أن أمرت الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بتكليف نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز بتولي مهام القائم بأعمال رئيس الجمهورية، عقب إعلان الولايات المتحدة إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك لمحاكمته، القرار، الذي صدر في ظرف استثنائي وصفته المحكمة بـ«الغياب القسري لرئيس الدولة»، لم يكن مجرد إجراء إداري مؤقت، بل شكّل اعترافاً رسمياً بأن البلاد تواجه أخطر اختبار لسيادتها واستمرارية مؤسساتها منذ عقود.
فنزويلا: حكم قضائي لتفادي الفراغ
جاء حكم المحكمة العليا ليضع إطاراً دستورياً عاجلاً لإدارة الدولة في ظل التطورات المتسارعة، إذ نص صراحة على أن ديلسي رودريجيز ستتولى منصب رئيس الجمهورية البوليفارية بالوكالة «لضمان استمرار الإدارة والدفاع الشامل عن الأمة». وأكد الحكم أن المحكمة ستواصل مناقشة المسألة لتحديد الإطار القانوني الواجب تطبيقه، بما يضمن استمرارية الدولة وإدارة الحكومة وحماية السيادة في مواجهة ما وصفته بـ«الغياب القسري» لرئيس الجمهورية، في إشارة مباشرة إلى العملية الأميركية.
هذا القرار حمل بعدين متلازمين: الأول داخلي، هدفه منع حدوث فراغ في السلطة قد يقود إلى فوضى سياسية أو صراع على الشرعية، والثاني خارجي، يتمثل في التأكيد على أن المؤسسات الفنزويلية ما زالت قائمة وتعمل وفق الدستور، رغم الضغوط والتدخلات الدولية غير المسبوقة.
رودريجيز بين تأكيد شرعية مادورو ونقض الرواية الأميركية
في موازاة الحكم القضائي، خرجت ديلسي رودريجيز بتصريحات شددت فيها على أن نيكولاس مادورو هو «الرئيس الوحيد لفنزويلا»، في موقف يعكس محاولة دقيقة للفصل بين توليها المؤقت للسلطة وبين أي اعتراف بعزل الرئيس أو شرعية اعتقاله. هذا الموقف اصطدم مباشرة بتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي قال إن رودريجيز «أدت اليمين» رئيسة للبلاد، وإنها مستعدة للقيام بما تراه واشنطن ضرورياً «لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى»، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا في المستقبل القريب.
التناقض بين الروايتين كشف عمق الصراع على تعريف ما يجري: فكاراكاس تصفه بـ«الخطف» والاعتداء على السيادة، بينما تقدمه واشنطن كعملية قانونية ناجحة ضد نظام تعتبره متورطاً في الجريمة المنظمة.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينشر صورة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
— NOW الشرق (@AsharqNOW) January 3, 2026
للمزيد زوروا https://t.co/tk5IBjauaM pic.twitter.com/qcznrOsyNF
مشهد كراكاس
رغم تقارير سابقة تحدثت عن وجودها في روسيا، ظهرت رودريجيز عبر التلفزيون الرسمي من العاصمة كراكاس، محاطة بشقيقها رئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريجيز، ووزير الداخلية ديوسدادو كابييو، ووزيري الخارجية والدفاع. هذا الظهور العلني حمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن مركز القرار لا يزال في كراكاس، وأن الحكومة تعمل بشكل جماعي لتطويق الأزمة.
وخاطبت رودريجيز الفنزويليين داعية إلى الهدوء والوحدة للدفاع عن البلاد، ووصفت ما حدث لمادورو بأنه «عمل همجي»، مطالبة بالإفراج الفوري عنه، ومؤكدة أن فنزويلا «لن تكون أبداً مستعمرة لأي دولة». الرسالة كانت مزدوجة: تطمين الداخل لتفادي انفجار اجتماعي، وتحدٍ للخارج يؤكد رفض الوصاية الأميركية.
الموقف الأميركي
في واشنطن، بدا الموقف أقل حدة في لغته وأكثر براغماتية في حساباته. إذ نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله إنه سيؤجل إعلان موقفه من تصريحات رودريجيز بشأن عدم التعاون مع الولايات المتحدة. وأوضح روبيو أن القرارات الأميركية ستُبنى على «أفعال المسؤولين في فنزويلا في الأيام والأشهر المقبلة»، مضيفاً أن أمامهم «فرصاً تاريخية ونادرة» لتقديم خدمة عظيمة لبلادهم.
هذا التصريح عكس محاولة لترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التصعيد والعقوبات من جهة، أو إعادة تشكيل العلاقة مع السلطة الجديدة من جهة أخرى، وفق سلوك الحكومة الفنزويلية في المرحلة القادمة.
روسيا أم فنزويلا؟ لغز الموقع ودلالاته الجيوسياسية
زاد الغموض تعقيداً مع تقارير لوكالة «رويترز» نقلت عن مصادر مطلعة أن رودريجيز كانت موجودة في روسيا عقب إعلان اعتقال مادورو، قبل أن تظهر لاحقاً في كراكاس. هذا الالتباس في مكان وجودها سلط الضوء على البعد الدولي للأزمة، واحتمال انخراط قوى كبرى، وعلى رأسها موسكو، في حسابات المرحلة المقبلة.
وكانت رودريجيز قد تحدثت في رسالة صوتية سابقة مطالبة بإثبات أن مادورو وزوجته سيليا على قيد الحياة، قبل أن تعلن الولايات المتحدة رسمياً وبثاً مباشراً عن نقله إلى الأراضي الأميركية تمهيداً لمحاكمته، في خطوة وصفها ترمب نفسه بأنها عملية استثنائية «لا توجد دولة أخرى على وجه الأرض قادرة على تنفيذ مناورة مشابهة».
الدستور كخط دفاع أخير عن الدولة
يستند تكليف رودريجيز دستورياً إلى نص واضح يقضي بأن يتولى نائب الرئيس قيادة البلاد مؤقتاً في حال الغياب الدائم للرئيس. وتشغل رودريجيز هذا المنصب منذ يونيو 2018، إلى جانب توليها حقيبة النفط منذ عام 2024، ما يمنحها ثقلاً سياسياً واقتصادياً في آن واحد، ويجعلها خياراً طبيعياً لضمان استمرارية السلطة في لحظة حرجة.
غير أن تطبيق هذا النص في سياق اعتقال رئيس الدولة على يد قوة أجنبية يفتح الباب أمام نقاش دستوري وسيادي معقد، حول معنى «الغياب» وحدوده، وحول ما إذا كانت هذه الحالة تمثل سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الدولية.
ديلسي رودريجيز
ولدت ديلسي رودريجيز في كاراكاس عام 1969، وهي ابنة خورخي أنطونيو رودريجيز، أحد مؤسسي حزب الرابطة الاشتراكية الثورية. مسيرتها السياسية تسارعت خلال العقد الأخير، إذ شغلت مناصب حساسة شملت وزارة الاتصالات، ثم وزارة الخارجية، ورئاسة الجمعية التأسيسية الموالية للحكومة، وصولاً إلى منصب نائبة الرئيس.
وصفها مادورو ذات مرة بـ«النمرة» في إشارة إلى دفاعها الشرس عن مشروعه السياسي، وهي تعمل بتنسيق وثيق مع شقيقها خورخي رودريجيز، رئيس الجمعية الوطنية. وبفضل توليها وزارتي المالية والنفط إلى جانب النيابة، أصبحت لاعباً محورياً في إدارة الاقتصاد الفنزويلي ومحاولة احتواء التضخم المفرط عبر سياسات أكثر تقليدية.
وأصبحت رودريجيز، بفضل مناصبها كوزيرة للمالية والنفط، إلى جانب منصبها كنائبة للرئيس، شخصية محورية في إدارة اقتصاد فنزويلا، ما منحها نفوذاً كبيراً لدى القطاع الخاص المتدهور في البلاد. وقد طبقت سياسات اقتصادية تقليدية في محاولة لمكافحة التضخم المفرط.
ورودريجيز محامية تخرجت في جامعة فنزويلا المركزية، وارتقت بسرعة في المناصب السياسية في العقد الماضي، حيث شغلت منصب وزير الاتصالات والمعلومات بين عامي 2013 و2014. وأتاحت لها هذه الأدوار الأولية اكتساب خبرة في التنسيق الحكومي والعلاقات الدولية. ومنذ ذلك الحين، تسارع صعودها داخل التيار الرئيسي لحزب تشافيز، مع مشاركته في مجالات حساسة من الإدارة.
كما أنها معروفة بحبها للأزياء الراقية، وشغلت منصب وزيرة الخارجية بين عامي 2014 و2017، وخلال تلك الفترة حاولت اقتحام اجتماع كتلة ميركوسور التجارية في بوينس آيرس، بعد تعليق عضوية فنزويلا في المجموعة.
وبدأت العمل كرئيسة للجمعية التأسيسية الموالية للحكومة، والتي وسّعت صلاحيات مادورو في عام 2017. وفي يونيو 2018، أعلن مادورو تعيين رودريجيز نائبة له، واصفاً إياها، عبر منصة "إكس"، بأنها "شابة شجاعة، ومتمرسة، وابنة شهيد، وثورية، وخاضت ألف معركة". في أغسطس 2024، أضاف مادورو وزارة النفط إلى حقيبة رودريجيز، حيث تم تكليفها بإدارة العقوبات الأميركية المتصاعدة على أهم صناعة في البلاد.

إلى أين تتجه فنزويلا؟
ما جرى يتجاوز كونه أزمة داخلية أو صراعاً قانونياً حول شرعية رئيس، ليضع فنزويلا أمام مفترق طرق تاريخي. فبينما تحاول المؤسسات الدستورية الحفاظ على تماسك الدولة، تسعى الولايات المتحدة إلى فرض معادلة جديدة للسلطة، في حين تترقب القوى الدولية الأخرى، وفي مقدمتها روسيا، مآلات هذا الصدام المفتوح.
في ظل هذا المشهد، تبدو ديلسي رودريجيز أمام مهمة صعبة: إدارة دولة تحت الصدمة، والحفاظ على شرعية نظام يعتبر نفسه مستهدفاً وجودياً، والتعامل مع ضغوط دولية غير مسبوقة. والنتيجة النهائية لن تتوقف فقط على النصوص الدستورية، بل على ميزان القوة في الشارع، ومواقف الجيش، وقدرة الحكومة على تحويل «الغياب القسري» لرئيسها إلى نقطة تماسك لا بداية انهيار.








