21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فنزويلا على حافة المجهول: اختطاف رئيس دولة وعودة شبح الوصاية الأمريكية

قالت الإعلامية ديمة الخطيب أن الأخبار الواردة من فنزويلا حتى الآن صادمة، متسارعة، وغير مكتملة، ما يجعل أي تعليق نهائي عليها محفوفًا بقدر لا يمكن إنكاره من التكهن. ومع ذلك، فإن تتابع المعطيات من مصادر

بقلم: سماح عثمان
٤ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
31 مشاهدة
رئيس فنزويلا

رئيس فنزويلا

قالت الإعلامية ديمة الخطيب أن الأخبار الواردة من فنزويلا حتى الآن صادمة، متسارعة، وغير مكتملة، ما يجعل أي تعليق نهائي عليها محفوفًا بقدر لا يمكن إنكاره من التكهن. ومع ذلك، فإن تتابع المعطيات من مصادر متعددة، بعضها ميداني وبعضها سياسي، يسمح برسم ملامح أولية لمشهد بالغ الخطورة، ليس فقط على فنزويلا، بل على مفهوم السيادة في النظام الدولي برمّته.

وأضافت الخطيب، ما جرى لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة أمنية معزولة، بل يبدو أقرب إلى عملية اقتلاع سياسي–عسكري مركّزة، استهدفت رأس السلطة دون إسقاط النظام ككل، في سابقة تعيد إلى الأذهان أكثر نماذج التدخل الأمريكي فجاجة في أمريكا اللاتينية، ولكن بأدوات أكثر حداثة وجرأة.

الإعلامية ديمة الخطيب

اختطاف رئيس فنزويلا

بحسب المعلومات المتداولة، جرى نقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته على متن سفينة حربية أمريكية إلى نيويورك، حيث وُضعا تحت الحراسة الفدرالية تمهيدًا لمثولهما أمام القضاء الأمريكي بتهم تتعلق بتجارة المخدرات. هذه الخطوة، إن تأكدت بصيغتها الكاملة، تمثل تصعيدًا غير مسبوق يتمثل في اختطاف رئيس دولة قائم ونقله قسرًا إلى دولة أخرى.

وأشارت الخطيب، أن اللافت أن العملية وُصفت بأنها نُفذت بسرعة مذهلة، إذ تشير المعطيات إلى أنها استغرقت نحو ساعتين ونصف فقط، دون مقاومة تُذكر من الجيش الفنزويلي، باستثناء استهداف مروحية أمريكية. كما ترددت معلومات عن تدمير واسع لقدرات عسكرية فنزويلية بطريقة تشبه ما قامت به إسرائيل ضد حزب الله في جنوب لبنان، ما يفتح باب المقارنة بين نماذج التدخل العسكري القائم على الضربات الخاطفة وشلّ البنية الدفاعية.

مكان احتجاز رئيس فنزويلا

تفاصيل موقع اختطاف مادورو وزوجته تحمل دلالات بالغة الأهمية. فبحسب المعلومات، لم تتم العملية في القصر الرئاسي Miraflores ولا في مقر إقامة الرؤساء La Casona، بل داخل قاعدة عسكرية في وسط كاراكاس، وهي قاعدة معروفة ومحصنة، وزارها كاتب هذه الشهادة سابقًا.

وتشير المعطيات إلى أن  رئيس فنزويلا (مادورو) وزوجته كانا داخل غرفة محمية بألواح فولاذية، ما يعني أن العملية لم تكن عشوائية، بل اعتمدت على معلومات دقيقة حول تحركات الرئيس ونقاط تمركزه، وهو ما يطرح تساؤلات خطيرة حول حجم الاختراق الاستخباراتي داخل مؤسسات الدولة الفنزويلية.

اختراق الحماية بالخيانة 

تؤكد المصادر أن قوات أمن كوبية خاصة كانت تتولى حماية مادورو، وهو أمر معروف في السياق الفنزويلي منذ سنوات. إلا أن الأخطر في هذه الرواية هو الحديث عن اختراق هذه الحلقة الأمنية عبر فرد واحد على الأقل من الحراس الكوبيين، ما يشير إلى عملية تجنيد أو ضغط أو تفاهمات خلف الكواليس.

هذا الاختراق، إن صحّ، لا يعني فقط فشلًا أمنيًا، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا تتعلق بتقاطع المصالح، وحدود الولاء، وإمكانية وجود ترتيبات غير معلنة سبقت العملية، سواء مع أطراف داخلية أو خارجية.

حصيلة دامية بفنزويلا

على الصعيد الإنساني، تشير المعلومات الأولية إلى مقتل نحو 40 شخصًا من الجانب الفنزويلي، بينهم مدنيون، إضافة إلى دمار واسع طال منازل سكنية، في مشهد وُصف بالصادم. هذه الحصيلة، حتى إن بقيت أولية، تكشف أن العملية لم تكن “نظيفة” كما قد تُسوَّق سياسيًا، بل تركت آثارًا دموية مباشرة على المدنيين.

في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب أن مروحية أمريكية تضررت خلال العملية، دون الإشارة إلى خسائر بشرية في صفوف قواته. هذا التفاوت في الروايات يعكس خللًا واضحًا في ميزان القوة، ويعيد طرح سؤال الثمن الإنساني الذي تدفعه الشعوب مقابل عمليات تُقدَّم باعتبارها “قانونية” من طرف واحد.

صمت الجيش الفنزويلي

وأكدت الخطيب، من أكثر الجوانب غموضًا حتى الآن هو موقف الجيش الفنزويلي. فلا توجد معلومات مؤكدة عن اعتقال أي أعضاء آخرين من حكومة مادورو، كما لم تصدر مؤشرات واضحة على رفض أو قبول المؤسسة العسكرية لما جرى.

هذا الصمت، الذي يصفه مراقبون بـ”الهدوء المريب”، يثير تساؤلات حول ما إذا كان هناك تفاهم ضمني أو مؤقت يسمح بتمرير هذه المرحلة دون انفجار داخلي، أو ما إذا كان الجيش يعيد ترتيب أوراقه بانتظار لحظة مناسبة للتحرك.

إدارة بالقوة

في تطور بالغ الخطورة، صرّح الرئيس الأمريكي الحالي ترامب بأن الولايات المتحدة ستحكم فنزويلا خلال مرحلة انتقالية، دون أن يوضح الإطار الزمني أو القانوني لذلك. هذا التصريح، بحد ذاته، يعكس تصورًا استعماريًا مباشرًا لا ينسجم مع أي من مبادئ القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة.

معارضة مثيرة

سياسيًا، رحّبت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو من الخارج بالهجوم الأمريكي، وهي شخصية معروفة بانتمائها إلى أقصى اليمين، ودعمها العلني لنتنياهو والليكود. هذا الموقف زاد من حدة الانقسام، ورسّخ صورة المعارضة المرتبطة بالتدخل الخارجي في أذهان شريحة واسعة من الفنزويليين.

المفارقة أن ترامب نفسه فاجأ الجميع حين صرّح بأنها ليست الشخص المناسب لقيادة فنزويلا، لافتقارها إلى الدعم الشعبي. وفي تطور أكثر غرابة، جرى تنصيب نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز خلفًا لمادورو، وسط قبول أمريكي غير متوقع، ما يعني عمليًا أن النظام لم يُسقط، بل جرى استئصال رأسه فقط.

موقف شخصي

بصفتي مواطنة فنزويلية، لم يكن موقفي من نيكولاس مادورو إيجابيًا بالكامل ولا سلبيًا بالكامل، بخلاف موقفي الإيجابي الواضح من سلفه هوغو تشافس. ومع ذلك، فإن الرجلين اشتركا في دعم فلسطين ومعاداة إسرائيل، وهو ما لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للاستهداف السياسي.

لكن، بغض النظر عن أي تقييم لأداء مادورو، فإن العمل العسكري الأحادي الذي قامت به أمريكا لا يمكن تبريره. ما جرى يشكل انتهاكًا صارخًا للسيادة وسابقة تاريخية خطيرة تنسف أسس القانون الدولي، وتفتح الباب أمام عالم تحكمه شريعة القوة لا قوة القانون.

أسئلة مفتوحة

هل جرى التوصل إلى اتفاق مع الجيش الفنزويلي يسمح باقتلاع مادورو وزوجته فقط، مقابل ضمانات تتعلق بالنفط أو بقاء النظام؟ وهل ما نشهده هو مرحلة أولى تسبق إعادة تشكيل السلطة لاحقًا بطريقة أكثر نعومة؟

الأسئلة أكثر من الإجابات، وما يجري في فنزويلا اليوم يؤكد أننا نعيش فعلًا زمن العجائب السياسية، حيث تسقط المحظورات واحدًا تلو الآخر، وتُختبر حدود الصمت الدولي على حساب شعوب بأكملها.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال