شهدت القدس المحتلة ومناطق متفرقة من الضفة الغربية، خلال الساعات الأخيرة، تصعيدًا ميدانيًا ملحوظًا تمثل في إصابة فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال، إلى جانب تنفيذ اقتحامات واسعة النطاق واعتقالات متواصلة، طالت أحياء سكنية ومخيمات وبلدات، في نمط بات يوميًا منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
وبحسب مصادر محلية فلسطينية، اقتحمت قوات الاحتلال مدعومة بآليات عسكرية مدنًا وبلدات في شمال ووسط وجنوب الضفة، وسط إطلاق كثيف للرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز، ما أدى إلى إصابات بين الفلسطينيين، بعضهم جرى احتجازه ومنع طواقم الإسعاف من الوصول إليه في الوقت المناسب. كما سُجلت اعتقالات طالت شبانًا وأسرى محررين، عقب مداهمات عنيفة للمنازل وتخريب محتوياتها.
الضفة واقتحامات يومية
ميدانيًا، لا يمكن قراءة هذه الاقتحامات باعتبارها عمليات أمنية معزولة، بل تأتي ضمن سياسة تصعيد مدروسة تهدف إلى فرض سيطرة أمنية شاملة على الضفة الغربية، ومنع تشكل أي حالة اشتباك متراكمة يمكن أن تتحول إلى انتفاضة واسعة. فالقوات الإسرائيلية تعتمد على الاقتحامات الليلية والمفاجئة كأداة استنزاف نفسي واجتماعي، تُبقي الشارع الفلسطيني في حالة ضغط دائم.
وتشير معطيات حقوقية إلى أن وتيرة الاعتقالات والإصابات ارتفعت بشكل لافت منذ بدء الحرب على غزة، في محاولة واضحة لنقل جزء من ثقل المواجهة إلى الضفة، وكسر أي تفاعل شعبي أو ميداني داعم لغزة. هذا التصعيد يترافق مع توسع اعتداءات المستوطنين، التي تجري غالبًا تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، ما يعزز صورة الانفلات المنظم لا الفوضى العشوائية.
القدس في قلب الاستهداف
في القدس المحتلة، يتخذ التصعيد بعدًا خاصًا، حيث كثفت قوات الاحتلال انتشارها في الأحياء المقدسية، ونفذت اعتقالات واستدعاءات، بالتوازي مع إطلاق النار في محيط نقاط التماس. وتُظهر هذه الإجراءات سعي الاحتلال إلى تحييد القدس عن أي تصعيد شامل، عبر القبضة الأمنية المشددة، ومنع تحولها إلى بؤرة اشتباك مفتوحة كما حدث في محطات سابقة.
هذا الاستهداف المستمر للقدس يعكس خوفًا إسرائيليًا مزمنًا من البعد الرمزي والسياسي للمدينة، خصوصًا في ظل الحرب على غزة، حيث يشكل أي انفجار ميداني في القدس تهديدًا مباشرًا للمعادلات الأمنية والسياسية التي يحاول الاحتلال تثبيتها.
الضفة كأداة ضغط
سياسيًا، يتزامن هذا التصعيد الميداني مع حالة جمود سياسي إقليمي ودولي، ومع ضغوط تُمارس على السلطة الفلسطينية لضبط الوضع الأمني ومنع انفجاره. في هذا السياق، تستخدم إسرائيل الاقتحامات والاعتقالات كأداة ضغط مزدوجة: رسالة للفلسطينيين بأن كلفة المواجهة ستكون مرتفعة، ورسالة للمجتمع الدولي بأنها ما زالت “تسيطر” على الأرض.
كما يأتي التصعيد في ظل استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، حيث تكتفي واشنطن بتصريحات عامة حول “خفض التصعيد”، دون أي إجراءات عملية لوقف الانتهاكات. هذا الغطاء السياسي، بحسب محللين، يمنح الاحتلال هامش حركة واسعًا في الضفة، مشابهًا لما يجري في غزة، وإن بأدوات أقل دموية لكن أكثر استدامة.
ضغوط دولية بلا أثر
على المستوى الدولي، تتزايد الإدانات اللفظية للاقتحامات والانتهاكات في الضفة الغربية، خصوصًا من منظمات حقوقية دولية، إلا أن هذه المواقف تبقى بلا أثر ملموس على الأرض. فلا عقوبات، ولا آليات مساءلة حقيقية، ما يشجع الاحتلال على المضي قدمًا في سياساته، مستفيدًا من حالة الانشغال الدولي بالحرب على غزة.
في المحصلة، تكشف الاقتحامات المتسارعة في الضفة الغربية، خلال الساعات الأخيرة، عن جبهة مشتعلة بهدوء، تُدار بالقوة والضغط السياسي، في إطار استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة ضبط المشهد الفلسطيني بالكامل. وبين رصاص القدس ومداهمات الضفة، يتأكد أن ما يجري ليس ردود فعل أمنية، بل مسار تصعيدي مرتبط مباشرة بالحرب على غزة وبحسابات سياسية تحظى بحماية دولية مكشوفة.









