4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الاحتلال يصعد في لبنان قبيل اجتماع ببيروت لبحث ملف سلاح حزب الله

جاءت الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت جنوب وشرق لبنان، وفي مقدمتها مدينة صيدا، في توقيت بالغ الحساسية، إذ سبقت بأيام إحاطة مرتقبة لقائد الجيش اللبناني

بقلم: شيماء مصطفى
٦ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
13 مشاهدة
عناصر من الدفاع المدني في موقع غارة إسرائيلية على مبنى في مدينة صيدا الساحلية جنوبي لبنان. 06 يناير 2026 - "الشرق"

عناصر من الدفاع المدني في موقع غارة إسرائيلية على مبنى في مدينة صيدا الساحلية جنوبي لبنان. 06 يناير 2026 - "الشرق"

جاءت الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت جنوب وشرق لبنان، وفي مقدمتها مدينة صيدا، في توقيت بالغ الحساسية، إذ سبقت بأيام إحاطة مرتقبة لقائد الجيش اللبناني أمام الحكومة حول مسار نزع سلاح حزب الله، وتزامنت مع التحضيرات لاجتماع لجنة “الميكانيزم” المعنية بمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار. هذا التزامن لا يبدو عابراً، بل يعكس محاولة واضحة لإعادة فرض منطق القوة العسكرية كأداة ضغط سياسية وأمنية، في لحظة يسعى فيها لبنان إلى تثبيت معادلة التهدئة الهشة التي وُلدت بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.

الغارة التي دمرت مبنى من ثلاثة طوابق في صيدا، ثالث أكبر المدن اللبنانية، حملت دلالة خاصة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي البعيد نسبياً عن خطوط المواجهة التقليدية، بل لأن المدينة تُعد مركزاً سكانياً وتجارياً، ما يوسّع دائرة الرسائل الإسرائيلية من الجنوب الحدودي إلى العمق اللبناني. ورغم أن المبنى المستهدف كان خالياً من السكان، فإن وقوع الغارة في حي تجاري يعكس استعداداً إسرائيلياً للمجازفة بتوسيع نطاق العمليات، حتى في مناطق مدنية، ضمن استراتيجية الردع والضغط.

لبنان: من الإخلاءات إلى الضربات المباغتة

سبق بعض الغارات نشر أوامر إخلاء فورية عبر المتحدث العسكري للاحتلال، في نمط بات مألوفاً خلال الشهور الماضية، خصوصاً في القرى الواقعة في سهل البقاع والجنوب. غير أن الضربة التي استهدفت صيدا جاءت من دون أي تحذير مسبق، ما يشير إلى انتقال من نمط “الإنذار والضربة” إلى نمط الضربات المفاجئة، وهو تحول يعمّق الشعور بعدم الاستقرار، ويقوّض أي ثقة محلية بإمكانية ضبط قواعد الاشتباك.

إعلان الجيش الإسرائيلي أن الغارات استهدفت ما وصفه ببنى تحتية لحزب الله وحركة حماس يندرج في إطار الرواية التقليدية لتبرير العمليات، إلا أن الوقائع الميدانية، وفق ما نقلته وكالات دولية، تُظهر أن بعض المواقع المستهدفة تقع في أحياء مدنية وتجارية، ما يطرح أسئلة متجددة حول حدود الأهداف العسكرية ومعايير الاستهداف.

رسائل مزدوجة إلى الدولة اللبنانية

التصعيد الإسرائيلي لا يمكن فصله عن النقاش الداخلي اللبناني حول نزع سلاح حزب الله. فالغارات وقعت عشية اجتماع حكومي مخصص لبحث التقرير النهائي للمرحلة الأولى من خطة “حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني”، بحضور قائد الجيش. بهذا المعنى، تبدو إسرائيل كأنها توجّه رسائل مزدوجة؛ الأولى إلى الحكومة اللبنانية مفادها أن أي مسار سياسي أو أمني لا يراعي الحسابات الإسرائيلية سيبقى عرضة للتقويض العسكري، والثانية إلى حزب الله بأن الضغوط ستستمر حتى في ظل وقف إطلاق النار، وأن تراجع قدراته لا يعني انتهاء الاستهداف.

القرى التي طالتها الغارات شمال نهر الليطاني، والبعيدة عن الحدود المباشرة، تكشف أيضاً اتساع هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية، وتضعف منطق الفصل بين منطقة جنوب الليطاني وبقية الأراضي اللبنانية، وهو ما قد ينعكس سلباً على خطة الدولة الرامية إلى تثبيت انتشار الجيش وبسط سلطته.

موقف رئاسي وتحذير من إفشال التهدئة

إدانة الرئيس اللبناني جوزاف عون للغارات جاءت واضحة وحادة، إذ اعتبر أن الاعتداءات تثير علامات استفهام كبيرة لكونها حصلت عشية اجتماع لجنة “الميكانيزم” المفترض أن يعمل على وقف الأعمال العدائية. موقف عون يعكس قلقاً رسمياً من أن تتحول الضربات الإسرائيلية إلى أداة لإفراغ مسار التهدئة من مضمونه، وإلى عامل تعطيل لأي تقدم في الملفات العالقة، من انسحاب القوات الإسرائيلية، إلى إطلاق الأسرى، وصولاً إلى استكمال انتشار الجيش اللبناني.

تصريحات عون حول تجاوب لبنان مع المساعي الدولية، والإجراءات التي اعتمدتها الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني، تضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، بوصفهما راعيين أساسيين لوقف إطلاق النار، ومسؤولين عن ضمان التزام إسرائيل ببنوده.

لجنة الميكانيزم وحدود الفاعلية الدولية

تشكيل لجنة “الميكانيزم” بمشاركة لبنان وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة وقوات “يونيفيل” كان يفترض أن يشكل إطاراً عملياً لمنع الانزلاق إلى التصعيد. إلا أن استمرار الغارات الإسرائيلية، ووقوعها حتى قبل اجتماعات اللجنة، يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرتها على فرض التهدئة أو ردع الخروقات.

الاجتماعات التي عُقدت في الناقورة، وما تخللها من مطالب لبنانية بعودة الأهالي إلى قراهم، في مقابل مخاوف إسرائيلية من تكرار سيناريو 2006، تعكس فجوة عميقة في الرؤى، تجعل من أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

نزع السلاح بين الضغط الخارجي والواقع الداخلي

ملف نزع سلاح حزب الله يظل العقدة الأكثر تعقيداً في المشهد اللبناني. فالحكومة، التي تواجه ضغوطاً أميركية وإسرائيلية متصاعدة، تحاول المضي في خطة تدريجية تبدأ بجنوب الليطاني، مستندة إلى دور الجيش وتقارير ميدانية حول الأسلحة التي تم تسلمها والمنشآت التي جرى تفتيشها. في المقابل، يواصل حزب الله رفضه التنازل عن سلاحه، معتبراً أن الظروف الإقليمية والأمنية لا تسمح بذلك.

الغارات الإسرائيلية، في هذا السياق، لا تضعف فقط موقع الحكومة التفاوضي، بل قد تعزز سردية الحزب بأن السلاح ما زال ضرورة في ظل استمرار الاعتداءات، ما يخلق حلقة مفرغة بين الضغط الخارجي والتصلب الداخلي.

لبنان: حرب لم تنتهِ فعلياً

رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار، تكشف الغارات شبه اليومية أن الحرب بين إسرائيل وحزب الله لم تنتهِ فعلياً، بل انتقلت إلى مستوى أقل كثافة وأكثر استنزافاً. الأرقام التي وثقتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بسقوط 127 مدنياً منذ وقف النار، تعكس كلفة إنسانية مستمرة، وتؤكد أن التهدئة القائمة أقرب إلى هدنة هشة منها إلى سلام مستدام.

في المحصلة، تبدو غارات صيدا وما رافقها من تصعيد جزءاً من معركة أوسع على شكل المرحلة المقبلة في لبنان، حيث تختبر إسرائيل حدود الدولة اللبنانية وقدرتها على ضبط السلاح، بينما تجد بيروت نفسها محاصرة بين ضغوط الخارج، وتعقيدات الداخل، ومخاطر انهيار مسار التهدئة في أي لحظة.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال