أعلنت سلطات فنزويلا، في أعقاب التطورات غير المسبوقة التي شهدتها البلاد، تعيين رئيسة مؤقتة لإدارة شؤون الدولة خلال المرحلة الراهنة، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لاحتواء الفراغ السياسي الناتج عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد. وجاء القرار وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، وفي ظل حالة ارتباك مؤسسي غير مسبوقة في تاريخ فنزويلا الحديث.
وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن الرئاسة المؤقتة ستتولى إدارة الملفات السيادية العاجلة، بما في ذلك الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، إلى حين اتضاح مصير مادورو والمسار السياسي الذي ستفرضه التطورات الأخيرة. غير أن قوى سياسية معارضة اعتبرت التعيين “مفروضًا تحت الإكراه”، مشككة في شرعيته، ومؤكدة أن البلاد دخلت فعليًا مرحلة انتقال قسري بفعل التدخل الأمريكي المباشر.
غضب يجتاح فنزويلا
تزامن إعلان الرئاسة المؤقتة مع اندلاع مظاهرات واسعة في عدة مدن فنزويلية، من بينها كاراكاس، وماراكايبو، وفالنسيا، حيث خرج آلاف المتظاهرين رفضًا لاعتقال مادورو، واحتجاجًا على ما وصفوه بـ“الانقلاب الخارجي” على السيادة الوطنية. ورفعت في التظاهرات شعارات تندد بالولايات المتحدة، وتحمّلها مسؤولية زعزعة الاستقرار ودفع البلاد نحو المجهول.
ووفقًا لتقارير منظمات حقوقية فنزويلية، شهدت بعض الاحتجاجات احتكاكات مع قوات الأمن، أسفرت عن إصابات واعتقالات، وسط مخاوف من انزلاق الوضع إلى مواجهات أوسع. في المقابل، برزت تجمعات محدودة مؤيدة للخطوة الأمريكية، رأت في اعتقال مادورو “فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي”، ما يعكس حجم الانقسام الحاد داخل المجتمع الفنزويلي.
سابقة خطيرة
في تطور لافت، مثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أمام محكمة أمريكية، في جلسة أثارت صدمة سياسية وقانونية واسعة، ليس فقط داخل فنزويلا، بل على مستوى أمريكا اللاتينية والعالم. واعتُبرت الجلسة سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، إذ جرت محاكمة رئيس دولة أثناء ولايته بعد عملية عسكرية انتهت باعتقاله خارج إطار أي مسار قضائي دولي معترف به.
وبحسب ما نقلته شبكات إعلام أمريكية، وُجهت لمادورو تهم تتعلق بالمخدرات والتآمر، وهي تهم سبق لواشنطن استخدامها سياسيًا ضد خصومها، وفق ما يرى مراقبون. في المقابل، أثار انعقاد الجلسة تساؤلات قانونية عميقة حول شرعية المحاكمة، واختصاص القضاء الأمريكي بمحاكمة رئيس دولة ذات سيادة جرى اعتقاله بالقوة.
مادورو يصرخ
أثناء مثوله أمام المحكمة، أدلى مادورو بتصريحات لافتة، قال فيها إنه “رئيس منتخب اختُطف بالقوة”، وإن ما جرى لا يمكن وصفه باعتقال قانوني، بل “عملية اختطاف مكتملة الأركان نفذتها الولايات المتحدة”. وأكد مادورو، بحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية، أنه لا يزال يعتبر نفسه الرئيس الشرعي لفنزويلا، وأن محاكمته تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
وشدد مادورو على أن ما يحدث لفنزويلا ليس معزولًا عن سياق أوسع من التدخلات الأمريكية في شؤون دول أمريكا اللاتينية، محذرًا من أن “شرعنة اختطاف الرؤساء” ستفتح الباب أمام فوضى دولية تهدد مبدأ سيادة الدول، وتحوّل القوة العسكرية إلى أداة حكم عابرة للحدود.
تداعيات مفتوحة بفنزويلا
أحدث الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال مادورو زلزالًا سياسيًا تجاوز حدود البلاد، إذ سارعت دول وحركات سياسية إلى إدانة العملية، واعتبارها سابقة خطيرة تعيد العالم إلى منطق فرض الإرادة بالقوة. ووفقًا لتقارير دبلوماسية، تشهد أروقة الأمم المتحدة تحركات مكثفة لمناقشة التداعيات القانونية والسياسية لما جرى، وسط انقسام حاد بين مؤيد ومعارض للموقف الأمريكي.
في الداخل الفنزويلي، لا تزال ملامح المرحلة المقبلة غامضة، في ظل توازن هش بين سلطة انتقالية مدعومة خارجيًا، وشارع غاضب يرفض ما يعتبره وصاية أمريكية. وبينما تؤكد واشنطن، على لسان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، أنها “ليست في حالة حرب” مع فنزويلا، تكشف الوقائع على الأرض أن البلاد باتت ساحة اختبار جديدة لسياسة فرض الشروط بالقوة، وما قد تحمله من تداعيات طويلة الأمد على الاستقرار والسيادة في المنطقة.










