يواجه لبنان في الآونة الأخيرة تقاطعاً خطيراً للأزمات، حيث لم يعد من الممكن فصل الملف الأمني عن الانهيار المالي أو التجاذبات الإقليمية.
حيث يتصدر المشهد حالياً نقاشات سيادية حول "حصر السلاح"، تزامناً مع حراك دبلوماسي إيراني لافت، وتحذيرات نقدية من مصرف لبنان، وكل ذلك تحت ظلال "طبول الحرب" التي يقرعها الاحتلال الإسرائيلي على الحدود الجنوبية.
كواليس جلسة مجلس الوزراء
وعادت قضية "حصر السلاح بيد الدولة" لتشكل محور النقاش داخل أروقة السرايا الحكومية، هذه الجلسات لم تكن مجرد إجراء إداري، بل تعبيراً عن ضغط داخلي ودولي يطالب بضرورة بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي، تنفيذاً للقرارات الدولية مثل القرار 1701.
ما هي أبعاد النقاش داخل الحكومة؟
وتدرك الحكومة اللبنانية أن أي مساعدات اقتصادية كبرى أو ضمانات أمنية مرتبطة بقدرة الدولة على إثبات ولايتها الحصرية على قرار السلم والحرب.
ولا يزال ملف السلاح يثير انقساماً حاداً؛ فبينما يرى فريق أن سلاح "حزب الله" هو قوة ردع، يعتبره فريق آخر عائقاً أمام قيام الدولة وجاذباً للاعتداءات الإسرائيلية.
ويقر العديد من الوزراء بأن حصر السلاح هو "هدف استراتيجي" يصعب تحقيقه دون توافق وطني شامل وتسوية إقليمية كبرى.
ما وراء زيارة وزير الخارجية الإيراني؟
وتأتي زيارة وزير خارجية إيران إلى بيروت في توقيت يغلي فيه الإقليم حيث أنه لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية وعسكرية واضحة.

ما هي دلالات التوقيت والأهداف؟
وتعكس الزيارة إصرار طهران على إبقاء الساحة اللبنانية جزءاً أساسياً من "محور المقاومة" في مواجهة الضغوط الغربية حيث بحثت اللقاءات آفاق التصعيد في الجنوب اللبناني وسبل دعم الجبهة في حال توسع رقعة الحرب.
ويسعى الحراك الإيراني لضمان ألا تأتي التسويات السياسية (كالانتخابات الرئاسية) على حساب مصالح حلفائها في بيروت.
وفي موازاة القلق الأمني، عقد حاكم مصرف لبنان بالإنابة مؤتمراً صحفياً وضع فيه النقاط على الحروف فيما يخص الواقع النقدي الهش.
أبرز ما جاء في التوجهات النقدية
وأكد المصرف المركزي استمراره في سياسة تجفيف السيولة بالليرة اللبنانية للحفاظ على استقرار نسبي لسعر صرف الدولار، لكنه حذر من أن هذا الاستقرار "هش" ومرتبط بالاستقرار السياسي.
ووجه الحاكم رسالة صارمة للقوى السياسية بأن المصرف المركزي لا يمكنه الاستمرار في تمويل العجز أو سد فجوات الموازنة دون إصلاحات حقيقية يقرها مجلس النواب.
وأشار التقرير الضمني للمصرف إلى أن أي تصعيد عسكري واسع سيؤدي حتماً إلى "هروب الرساميل" المتبقية وانهيار جديد في القوة الشرائية.
المخاوف من التصعيد الإسرائيلي
وتعيش القرى الحدودية، ومن خلفها كل لبنان، حالة من الترقب القاتل جراء التهديدات الإسرائيلية المتواصلة بشن عملية عسكرية واسعة النطاق لإبعاد "حزب الله" عن الحدود.
فضمن العوامل المحفزة للتصعيد هو الضغط الداخلي الإسرائيلي وحاجة الحكومة الإسرائيلية لإعادة سكان الشمال إلى منازلهم تضغط باتجاه حل عسكري وفشل الدبلوماسية حيث أنه حتى الآن، لم تنجح الوساطات الدولية “الأمريكية والفرنسية” في انتزاع التزامات تضمن الهدوء طويل الأمد.
كما تآكلت "قواعد الاشتباك" التقليدية، حيث بدأت الضربات تطال عمق الأراضي اللبنانية، مما يزيد من احتمالية الخطأ الحسابي الذي قد يؤدي لاندلاع حرب شاملة.
ويكشف المشهد الحالي عن تلاحم معقد بين ثلاثة مسارات لا يمكن الفصل بينها منها التداخل الأمني-الإقليمي، فلبنان لم يعد ساحة معزولة، بل هو "صمام أمان" أو "فتيل تفجير" للصراع الإيراني-الإسرائيلي.
كما أن زيارة الوزير الإيراني تعزز هذا الارتباط، وتجعل من ملف "حصر السلاح" قضية إقليمية تفوق قدرة الحكومة اللبنانية على الحل المنفرد.
وأما عن الارتباط الاقتصادي-السيادي، فتؤكد تصريحات حاكم مصرف لبنان أن الاقتصاد اللبناني "رهينة" للوضع الأمني ، ولا استثمارات ولا سياحة ولا نمو في ظل غياب سيادة الدولة على قرار الحرب، فالمانحون الدوليون يربطون بين "الإصلاح المالي" وبين "الاستقرار السياسي والأمني".
وبينما يناقش مجلس الوزراء ملفات كبرى، يبدو الواقع السياسي مشلولاً بسبب الفراغ الرئاسي، هذا الفراغ يجعل الدولة اللبنانية "جسداً بلا رأس" في مواجهة عواصف إقليمية تتطلب قرارات تاريخية.
يذكر أن لبنان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما الذهاب نحو تسوية كبرى تبدأ بانتخاب رئيس وتطبيق القرارات الدولية وحصر السلاح، وإما الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة تأكل ما تبقى من رمق اقتصادي ، فتداخل ملف السلاح مع الأجندات الإقليمية “إيران” والتهديدات الخارجية “إسرائيل” والواقع النقدي “مصرف لبنان” يجعل من الحل "سلة متكاملة" لا تقبل التجزئة.










