4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد خليل مصلح يكتب: لعبة الانتظار.. من يملك الوقت يملك المفتاح!

صراع خمسة لاعبين على طاولة واحدة.. الصراع لم يعد على غزة؛ أصبح على من يملك "زمن الدولة الوظيفية" الجديد.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٩ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
18 مشاهدة
صراع خمسة لاعبين على طاولة واحدة.. الصراع لم يعد على غزة؛ أصبح على من يملك "زمن الدولة الوظيفية" الجديد - الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

صراع خمسة لاعبين على طاولة واحدة.. الصراع لم يعد على غزة؛ أصبح على من يملك "زمن الدولة الوظيفية" الجديد - الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

ساحة فارغة والجميع ينتظر

في مطلع 2026، لم تعد غزة ساحة حرب تقليدية، بل أصبحت ساحة صبر. خمسة لاعبين يجلسون حول طاولة، لكن لا أحد يمد يده أولاً. لماذا؟ لأن كل يوم يمر دون حل هو انتصار لبعضهم وهزيمة لآخر. هذه لعبة الصفر الكامل: مكسب أحدهم هو خسارة الآخر، والوقت هو البطاقة الوحيدة التي تُلعب.

حماس: تلعب فن البقاء بالانتظار

حماس ليست في عجلة، بل على العكس، كل تأخير يخدمها. لماذا؟ لأنها تراهن على ثلاثة توترات تختمر داخل جدران الخصوم البيت الداخلي:

أولاً: الانهيار الداخلي الإسرائيلي. كل شهر يمر، يتعمق السؤل الإسرائيلي: "إلى متى؟" الائتلاف الحكومي يتشقق، والاقتصاد ينزف، والمؤسسة العسكرية تعلن (بصمت) أن لا حل عسكرياً. حماس لا تفعل شيئاً؛ الوقت يفعله نيابة عنها. كل أزمة إنسانية تبث في غزة تعني ضغطاً على مصر والسعودية لإجبار ترامب، وكل ضغط أمريكي يُضعف نتنياهو. إنها لعبة الرياح التي تعصف بالخصم دون أن ترفع سيفاً.

ثانياً: التحالف السعودي-المصري. الرياض والقاهرة لا تريدان خراب غزة، لكنهما لا تريدان أيضاً أن تخرج حماس منتصرة عسكرياً. حماس تعلم أن كل تأخير في "نزع السلاح" يضع الرياض في مأزق أخلاقي: إما أن تستمر في التمويل وهي تعلم أن حماس لم تستسلم، أو تتوقف وتخسر نفوذها. والقاهرة تنتظر اللحظة التي تكون فيها الوسيط الأوحد. حماس تلعب على هذا التناقض: الوقت يُعيد ترتيب التحالفات لصالحها.

ثالثاً: إعادة البناء تحت الرماد. حماس أنفقت ملايين الدولارات (القطرية تحديداً) ومشاريعها الاستثماريةالخاصة لإعادة بناء شبكتها تحت الأرض وتطوير سلاحها وقدراتها الهجومية. الدفاعية. كل شهر بدون حل هو شهر بناء. وكلما استنفذت إسرائيل أهدافها العسكرية المعلنة، وجدت أن الهدف الأصلي (نزع سلاح حماس) لم يتحقق، بل أعيد بناؤه بذكاء أكبر.

مصر: سيدة الموقف بلا عناء

مصر لا تلعب لعبة الفوز السريع، بل لعبة السيطرة المستمرة. القاهرة تعلم أن كل طرف يحتاجها، لكن لا أحد يستطيع إجبارها على الاستعجال لأن أي حل لا يخلق استقرار أمني في سيناء خسارة كبيرة وتهديد أمني مستقبلي.
اللعبة المصرية بسيطة: "أنا البوابة، والبوابة لا تُفتح بلا مفاتيحي". معبر رفح مغلق ليس عقوبة لحماس، بل رسالة لترامب وولي العهد السعودي: "من دوني، لا حل". كل يوم تبقى فيه مغلقة تعني تعزيز الدور المصري كلاعب لا غنى عنه.

براحة مصر تأتي من عدم المخاطرة. فهي لا تريد تدمير حماس تماماً (لأن الفوضى تنتقل لسيناء)، ولا تريد نجاحاً سعودياً كاملاً (لأنه يُقصيها). تريد التأرجح في المنتصف. تسمح بـ"تهريب محدود" لإبقاء حماس حية لكن ضعيفة، وتسمح بـ"إعمار محدود" لتظهر كمنقذ، وتربط كل ذلك بـ"صلاحيات أمنية" تعزز قبضتها.

وهكذا مصر تربح من التوتر نفسه. كل أزمة تُذكر العالم بأن الحل عبر القاهرة، وكل تأخير يُعزز شرطها. إنها تنتظر أن يستنزف الجميع، لتقدم نفسها كـ"الرابح الوحيد" الذي لم يُجبر على تنازلات ومثال على ذلك رفض فتح معبر رفح باتجاه واحد.

ساعة نتنياهو المتحركة.. نتنياهو: الرجل الذي تدمره ساعته

قد تكون للمرة الأولى الذي يجد نتنياهو أن الوقت صار عدوه. كل صباح يستيقظ عليه يجد أن:

- ائتلافه ينزف مقاعد داخلياً
- ترامب يزداد إحباطاً علناً
- الاقتصاد الإسرائيلي ينزف مليارات
- الشارع يطرح السؤال: "إلى متى؟"

الخيارات أمامه مؤلمة:

- إذا تنازل في غزة، يسقط ائتلافه فوراً
- إذا صعّد في لبنان، يخسر دعم السعودية وترامب
- إذا استمر في المراوحة، تتعمق أزمته

الحل: "الهروب إلى الأمام". ضربة هنا، خطب نارية هناك، لكن كل "هروب" يأخذ من رصيده الزمني. إنه يسرّع ساعته وهو يعتقد أنه يوقفها.

الحقيقة: نتنياهو في لعبة خاسرة. كل يوم يمر يُضعفه أكثر، وكل تأخير يُقربه من نهاية حكمه. الساعة تدق، لكنها تدق لتعلن نهايته.

السعودية: صبر المستثمر الذكي

ولي العهد السعودي لا يعجل. يعلم أن كل شهر بدون تطبيع هو خسارة اقتصادية (صفقات معلقة) لكنه مكسب سياسي (تعزيز شرطه الفلسطيني).

يعلم ولي العهد السعودي أن الوقت يخدم شرطه: كل أزمة إنسانية تُذكّر العالم بأن السعودية ترفض التطبيع البارد، وكل ضغط أمريكي على نتنياهو يُعزز مكانة الرياض كـ"مفتاح لا غنى عنه" وبذلك أيضا يقوى موقفه ودوره أمام مصر وتركيا.

يبدو لي أن ولي العهد السعودي يدير علاقته مع ترامب بالطريقة التركية.

النتيجة: السعودية تكسب ببطء، لكن بطيئاً جداً قد يجعل ترامب يفقد صبره ويُجري تسوية سريعة ومؤقتة تُقصي الرياض. إنها لعبة توقيت لا تُخطئ فيه.

تركيا: اللاعب الذي يغير القواعد

أردوغان لا يجلس على الطاولة القديمة؛ هو يبني طاولته الجديدة.

التحالف التركي-السعودي ليس مجرد تنسيق، بل "إعادة رسم الخريطة". تركيا تملك ورقة عسكرية (قاعدة في قطر، نفوذ في غزة) وورقة اقتصادية (صناعة دفاعية، استثمارات). والسعودية تملك ورقة المال وورقة التطبيع وورقة ترامب.

المصالح المتقاطعة: تركيا تريد إنهاء عزلتها الإقليمية منذ أزمة الخاشقجي، والسعودية تريد بديلاً إسلامياً موثوقاً لإيران وشريكاً في غزة.

ما يمكن أن يفعلاه معاً:

- الضغط على ترامب: "إما تضغط على نتنياهو أو نضغط نحن عبر ورقة حلف بديل يستثنيك". ترامب الذي يخشى خسارة السعودية، سيفقد صوابه إذا خسر تركيا أيضاً.
- فرض حل مؤقت: "حكومة وحدة إسرائيلية" تشرف على "إدارة مدنية مشتركة" في غزة والضفة، برعاية مصرية-سعودية-تركية.

الخاتمة: إعادة ضبط الساعة

الخلاصة: سقوط نتنياهو لن يأتي بيمين أشد تطرفاً، لأن إسرائيل الدولة الوظيفية باتت بحاجة لـ"تدخل خارجي" يفرض "حكومة وحدة مكلفة". والتدخل لن يكون أمريكياً فحسب، بل خليجياً-تركياً.

اللاعب الجديد: أردوغان. ليس كوسيط، بل كـ"شريك مؤسس" في "الحل المؤقت" الذي يفرضه التحالف التركي-السعودي على ترامب، وبالتالي على تل أبيب.

الصراع لم يعد على غزة؛ أصبح على من يملك "زمن الدولة الوظيفية" الجديد.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير