20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد خليل مصلح يكتب: الانكماش الاستراتيجي.. نموذج بقاء إيران الجديد

الانكماش الاستراتيجي الذي تمارسه إيران ليس علامة ضعف بل تكتيك بقاء مؤسسي. النظام يتخلى عن امتداداته الإقليمية في سوريا ولبنان والعراق واليمن لكنه يحافظ بشكل حازم على قلبه النابض: الحرس الثوري والجهاز الأمني.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
١٠ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
6 مشاهدة
احتجاجات إيران

احتجاجات إيران

الانكماش الاستراتيجي الذي تمارسه إيران ليس علامة ضعف بل تكتيك بقاء مؤسسي. النظام يتخلى عن امتداداته الإقليمية في سوريا ولبنان والعراق واليمن لكنه يحافظ بشكل حازم على قلبه النابض: الحرس الثوري والجهاز الأمني. هذا التكتيك يذكرنا بالنموذج الصيني الذي نجح في البقاء عقوداً عبر فتح الاقتصاد محلياً مع الإبقاء على قبضة حديدية على السلطة السياسية.

درس فنزويلا يكشف حدود الشرعية الدولية وبلطجية النظام الأمريكي وضعف المنظومة الدولية. سقوط زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو السريع في نظر ترامب يعلمنا أن الدعم الأمريكي ليس له علاقة بالديمقراطية أو الشرعية الشعبية بل بالطاعة الصريحة. ماتشادو كانت تمتلك كل شيء: انتخابات فازت بها بنسبة ساحقة، جائزة نوبل، دعم دولي واسع. لكنها سقطت لأنها لم تطيع الخط الأمريكي. هذا يعني أن أي معارض إيراني، ومن ضمنهم شاه بهلوي، لن يكون لاعباً حقيقياً إذا لم يمتلك أدوات القوة الداخلية.

موقف القوى الدولية من الانكماش الإيراني

روسيا والصين تقبلان بالمخاطرة لأن إيران "كنز استراتيجي" لا غنى عنه. موسكو تحتاجها حتى لا تقترب امريكا من حدودها بنظام على غرار نظام الشاه والبقاء في المنطقة بعد أن خسرت سوريا. بكين تحتاجها لضمان نفط رخيص وممر آمن لمشروع الحزام والطريق. كلاهما يدرك أن إيران لن تنتقل إلى الحليف الأمريكي و حضن الشيطان الأكبر لأن الثقة مفقودة تماماً بين طهران وواشنطن بعد عقود من العداء. لكن روسيا والصين حذرتان: إيران تفاوض دائماً وقد تقدم تنازلات من دون استشارة الحليف استقلالية الدبلوماسية الإيرانية نقطة قوة في صالحها.

ترامب قد يقبل بالصفقة الإيرانية

إذا عرضت طهران على واشنطن تجميد المشروع النووي ووقف التدخل الإقليمي وفتح سوقها النفطية، فإن ترامب - الذي يهمه الانتصار السياسي والمكاسب الاقتصادية - قد يوافق. سيرى في هذا إنجازاً تاريخياً: إنهاء التهديد النووي، خفض أسعار النفط، وتحقيق استقرار نسبي يسمح له بالتركيز على الصين كعدو رئيسي. لكن الشرط هو أن تكون إيران مطيعة ومنفتحة على المصالح الأمريكية، وألا تشكل أي تهديد لإسرائيل.

التحديات الداخلية للانكماش

النظام يواجه مشكلتين أساسيتين: الأولى هي إعادة تأويل الأيديولوجيا أو التفاهم مع الايديولوجيا، كيف يتحول من "تصدير الثورة" إلى "حماية المسلمين من العدوان" دون أن يفقد شرعيته الدينية. الثانية هي إقناع الحرس الثوري الذي لا يريد تقليص دوره الإقليمي لأن لديه مصالح اقتصادية ونفوذاً سياسياً. أي انكماش يجب أن يشمل تعويضات للحرس: أكبر دور اقتصادي داخلي مقابل تقليل دور عسكري خارجي.

مستقبل العلاقات الإقليمية في ظل الانكماش. الخليج سيشهد تحسناً نسبياً لأن التهديد المباشر يتراجع، لكن التسلح سيستمر لأن البرنامج النووي لم يُفكك بالكامل. إسرائيل قد تشهد تهدئة قصيرة المدى لكن الصراع سينتقل إلى مسائل أخرى مثل البرنامج النووي والقدرات الصاروخية. روسيا والصين ستدعمان النظام لكن بحذر شديد. أمريكا قد توافق على صفقة لكنها لن تثق تماماً.

الخلاصة

إيران كدولة حيادية ثقيلة. لن تصبح إيران حليفة لأمريكا، لكنها لن تبقى عدوة. ستصبح دولة محايدة ثقيلة الوزن: نووية، نفطية، ذات موقع جغرافي استراتيجي، لكنها منكمشة داخل حدودها كنموذج الهند وباكستان. ستتفاوض مع الجميع دون التزامات كبيرة. وهذا هو السيناريو الأفضل لبقاء النظام: الحفاظ على القوة الداخلية مع تقليل الاحتكاك الخارجي.

رضا بهلوي ليس جزءاً من هذا السيناريو. التغيير إذا حدث فسيكون من داخل النظام نفسه: قائد عسكري منشق يقبل بالتفاوض مع أمريكا ويحافظ على الهيكل الأمني. روسيا والصين ستدعمان لأن لا بديل، وترامب قد يقبل لأن المصالح الاقتصادية تغلب الأيديولوجيا. بهلوي وغيره من المنفيين سيبقون مشاهدين لا لاعبين. الفصل الجديد من تاريخ إيران لن يُكتب في لوس أنجلوس أو لندن، بل في طهران، وباللغة التي يفهمها الحرس الثوري: المصالح، لا الشعارات.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير