4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إيران تحت المجهر الإسرائيلي: بين تهويل السقوط والارتباك الأميركي

أدّى تراكب كثيف بين منشورات وتحليلات متداولة في إسرائيل، وتصريحات صادرة عن الولايات المتحدة، وتحذيرات مباشرة من إيران، إضافة إلى الصدمة الجمعية التي خلّفتها أحداث أكتوبر 2023

بقلم: سماح عثمان
١٥ يناير ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
14 مشاهدة
إيران تحت المجهر الإسرائيلي: بين تهويل السقوط والارتباك الأميركي

إيران تحت المجهر الإسرائيلي: بين تهويل السقوط والارتباك الأميركي

أدّى تراكب كثيف بين منشورات وتحليلات متداولة في إسرائيل، وتصريحات صادرة عن الولايات المتحدة، وتحذيرات مباشرة من إيران، إضافة إلى الصدمة الجمعية التي خلّفتها أحداث أكتوبر 2023، وسنتين من حرب اتسمت بالمفاجآت القاسية، والكوارث الأمنية، والانتصارات الجزئية، والتحولات العميقة في بنية الشرق الأوسط، إلى رفع منسوب القلق لدى الرأي العام الإسرائيلي إلى مستوى جديد وغير مسبوق وقت كتابة هذا التقرير، وذلك – كما يقرّ الكاتب – من دون الاستناد إلى أدوات علمية أو قياسات نفسية دقيقة، بل اعتماداً على المزاج العام والخطاب الإعلامي السائد.

هذا القلق، الذي بات سمة يومية في المجتمع الإسرائيلي، لا ينفصل عن شعور عميق بأن المنطقة تقف على عتبة انفجار جديد، وأن ما حدث في لبنان أو سوريا قد لا يكون سوى مقدمة لزلزال أشد، مع تصاعد الحديث عن مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران، التي تُقدَّم داخل إسرائيل بوصفها التهديد الاستراتيجي الأخطر.

إيران و الانفجار الوشيك

وفقاً لما أورده موقع «واي نت» الإسرائيلي، تبدو المخاوف الإسرائيلية، في ظاهرها، منطقية حتى بمعزل عن آثار الصدمة النفسية الجماعية. فالتقارير الإعلامية والاستخباراتية تتحدث عن نيات إسرائيلية لمهاجمة لبنان، وعن احتجاجات في إيران قيل إنها تجاوزت «نقطة اللاعودة»، استناداً إلى تقديرات خبراء أو تسريبات منسوبة لأجهزة استخبارات، مع تسويق فكرة أن النظام الإيراني بات على وشك السقوط، وأن الأمر مسألة وقت لا أكثر.

وتعزز هذه السردية تصريحات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، الذي تحدث عن أن «المساعدة في الطريق» إلى المتظاهرين الإيرانيين، في مقابل تحذير واضح من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأن أي تدخل من هذا النوع سيجعل إسرائيل هدفاً مباشراً للانتقام. هذا التوازي بين الوعود الأمريكية والتهديدات الإيرانية غذّى انطباعاً واسعاً داخل إسرائيل بأن مواجهة كبرى باتت حتمية.

فجوة بين الخطاب والتقدير الأمني

لكن عند الانتقال من ضجيج العناوين إلى قراءة الواقع كما يراه كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تتراجع حدة هذه التوقعات بشكل ملحوظ. فبحسب هذه الدوائر، لا تبدو فرص تحقق السيناريوهات المتداولة – سواء سقوط النظام الإيراني أو اندلاع هجوم إيراني وشيك – مرتفعة كما يوحي الخطاب الإعلامي.

ويستند هذا التقدير إلى محادثات أجراها الكاتب خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية مع أربع شخصيات إسرائيلية مطّلعة، اثنان منهم في مواقع رفيعة، ويملكون بحكم مناصبهم اطلاعاً واسعاً على ما تمتلكه إسرائيل من معلومات بشأن احتمالات قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران، أو ما هو معروف عن استعدادات طهران لمهاجمة إسرائيل، إضافة إلى الإجراءات الدفاعية التي تتخذها تل أبيب تحسباً لأي تطور مفاجئ.

 

هشاشة التقديرات

يشدد التقرير على أن هذه التقديرات يجب التعامل معها بحذر شديد لعدة أسباب. أولها أنها صحيحة فقط في لحظة كتابتها، ففي منطقة مثل الشرق الأوسط، يمكن لأي قرار مفاجئ من قائد سياسي أو عسكري أن يقلب المشهد بالكامل خلال ساعات، ويجعل أكثر التحليلات تماسكاً بلا قيمة.

السبب الثاني يتعلق بأسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نجح في إبقاء جزء كبير من عملية صنع القرار محاطاً بسرية شبه كاملة، ما سمح له مراراً بمفاجأة الحلفاء والخصوم على حد سواء. بل إن محاولة تفسير ما يجري خلف الكواليس من خلال تصريحاته العلنية غالباً ما تقود إلى استنتاجات خاطئة، نظراً لعدم التزامه بأنماط سلوكية ثابتة.

أما السبب الثالث، فيكمن في تعقيد المشهد داخل إيران نفسها، حيث أدى قطع الاتصالات، بما في ذلك الإنترنت، ثم تعطيل الاتصالات الهاتفية الدولية أمام عموم السكان، إلى جعل جمع المعلومات الموثوقة مهمة شبه مستحيلة، حتى بالنسبة لأجهزة الاستخبارات، وهو ما يحدّ من القدرة على تقييم ما يجري في الشارع الإيراني بصورة دقيقة ومنتظمة.

الهجوم الأمريكي

في ما يخص احتمال شن هجوم أمريكي على إيران، تقول مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إن إسرائيل ليست جزءاً من أي خطة أمريكية بهذا الشأن، ولا تمتلك، في الوقت الراهن، معلومات مؤكدة حول وجود خطة من الأساس أو موعد تنفيذها إن وُجدت. ولا تستبعد هذه المصادر أن يكون رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أو دائرته الضيقة على اطلاع أوسع، لكنها تؤكد أن الافتراض السائد في المؤسسة الدفاعية هو أن واشنطن، إذا قررت التحرك، ستبلغ إسرائيل بذلك قبل التنفيذ بوقت قصير فقط.

صحيح أن حديث ترامب عن «المساعدة في الطريق»، إلى جانب تحذيرات أصدرتها عدة دول لمواطنيها بمغادرة إيران، يوحي بأن ضربة ما قد تكون قيد الإعداد، إلا أن التقييم الإسرائيلي يميل إلى اعتبار أي هجوم محتمل ذا طابع رمزي أكثر منه استراتيجياً، يهدف إلى إرسال رسالة سياسية لا إلى إحداث تغيير جوهري في موازين القوة داخل إيران.

حدود القوة والتجربة السابقة

يحاول التقرير تفسير دوافع ترامب المحتملة، معتبراً أنها تتوزع بين الرغبة في الوفاء بوعده بدعم المتظاهرين، وإظهار القوة في مرحلة أعقبت نشوة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إضافة إلى ضغوط داخلية تدفعه لاتخاذ موقف معاكس تماماً لرد فعل الرئيس الأسبق باراك أوباما إزاء احتجاجات «الحركة الخضراء» عام 2009.

لكن، رغم ذلك، يسود داخل إسرائيل تشكك واسع في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ ما يتجاوز ضربات رمزية، مثل استهداف مقار للحرس الثوري أو عناصر من قوات الباسيج. ويطرح التقرير تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن لمثل هذه الضربات أن تقلّص فعلاً قدرة النظام الإيراني على قمع الاحتجاجات؟

ويستحضر الكاتب حقيقة أن إسرائيل، ثم الولايات المتحدة، قصفتا إيران لمدة اثني عشر يوماً في السابق باستخدام كميات ضخمة من الذخائر، بما في ذلك قنابل خارقة للتحصينات، من دون أن يضعف ذلك قبضة النظام على البلاد. فكيف يمكن لواشنطن تغيير هذه المعادلة اليوم، وهي لا تحشد كامل أدواتها العسكرية ولا ترسل حاملات طائرات كافية إلى المنطقة؟

الرد الإيراني المحتمل

أما في ما يتعلق بإمكانية قيام إيران بهجوم مباشر على إسرائيل، فتتفق مصادر التقييم في المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية على أن هذا الاحتمال «ضئيل للغاية»، حتى في غياب أي استفزاز أمريكي أو إسرائيلي مباشر. ويذهب أحد المصادر إلى القول إن هذا الخيار «لا معنى له من منظور خامنئي»، متسائلاً عن جدوى فتح جبهة جديدة في هذا التوقيت.

صحيح أن طهران تلوّح باستهداف منطقة «كتلة دان» في حال تعرضها لهجوم أمريكي، لكن هذه التهديدات، وفق التقدير الإسرائيلي، تهدف أساساً إلى الردع، وإيصال رسالة بأن أي عمل عسكري ستكون كلفته باهظة، لا إلى تنفيذ فعلي وشيك.

ولا يستبعد التقرير احتمال وقوع أخطاء في التقدير أو إخفاقات في جمع المعلومات، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية داخل إيران. ومع ذلك، وحتى اللحظة، لم تُرصد استعدادات إيرانية ملموسة لمهاجمة إسرائيل، رغم الإقرار بأن الصورة قد تتغير خلال ساعات.

ويؤكد أحد المصادر أن أي هجوم إيراني لن يحقق لخامنئي سوى إثبات التزامه بتهديداته، مقابل فتح جبهة جديدة مع دولة أثبتت استعدادها لاستخدام قوتها الجوية لإلحاق أضرار واسعة بالأنظمة الدفاعية والمنشآت الحيوية.

ورغم انخفاض تقديرات احتمال الهجوم، نفذت إسرائيل، على خلفية الصدمة الاستخباراتية التي أعقبت أكتوبر 2023، سلسلة واسعة من الإجراءات الدفاعية والاستعدادات على المستويات المدنية والعسكرية والاستخباراتية، تحسباً لأي سيناريو مفاجئ.

الاحتجاجات ومأزق النظام

في ما يتعلق بالوضع الداخلي الإيراني، تشير التقديرات الإسرائيلية، مع الأخذ في الاعتبار صعوبة جمع المعلومات بعد المجازر التي طالت المتظاهرين والإجراءات القمعية المشددة، إلى تراجع حجم الاحتجاجات، وبالتالي انخفاض احتمالات سقوط الحكومة في المدى القريب.

ويرى معظم المتابعين داخل إسرائيل أن هذه الموجة من الاحتجاجات، رغم عمقها، افتقرت إلى قيادة موحدة وأهداف تفصيلية، إذ لم تنحصر مطالبها في القضايا المعيشية أو الحجاب أو تقنين الوقود، بل استهدفت جوهر النظام نفسه. ومع ذلك، يبقى سيناريو انحسار التظاهرات، كما حدث في موجات سابقة منذ عام 2009، وارداً بقوة، مع استمرار سيطرة الحرس الثوري حتى جولة قادمة.

المأزق الدبلوماسي

على المستوى الدبلوماسي، يشير التقرير إلى معلومات إسرائيلية حول وجود قناة تواصل بين كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وتعارض إسرائيل بشدة هذه القناة، معتبرة أن إيران تعيش أضعف لحظاتها وأكثرها عزلة، ولا ينبغي منحها فرصة لالتقاط الأنفاس أو كسب الوقت عبر مفاوضات جديدة.

وفي المقابل، يطرح الكاتب سؤالاً إشكالياً: إذا كانت الاحتجاجات قد انحسرت مؤقتاً، وإذا كانت إيران بالفعل في أضعف حالاتها، ألا يستدعي ذلك دراسة احتمال استعدادها لتقديم تنازلات غير مسبوقة؟ سؤال تحاول إسرائيل، وفق هذا الطرح، إقناع واشنطن بعدم التفكير فيه من الأساس.

الكلمات المفتاحية:#إيران#إسرائيل#أمريكا

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال