كشفت تطورات داخل وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) أن إيران باتت في صلب معادلة معقدة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث أدّت قرارات عسكرية سابقة، اتخذت في سياق الضغط على فنزويلا، إلى تقييد هامش المناورة الأميركية في حال تطور المواجهة مع إيران على خلفية الاحتجاجات المناهضة للنظام. هذا الواقع يعكس تحوّلًا في أولويات الانتشار العسكري الأميركي، ويطرح أسئلة جوهرية حول قدرة واشنطن على إدارة أزمات متعددة في آن واحد.
ترامب وتموضع عسكري يغيّر الأولويات
بحسب مسؤولين حاليين وسابقين في البنتاجون نقلت عنهم صحيفة وول ستريت جورنال، فإن أوامر ترامب بحشد القوات في منطقة البحر الكاريبي خلال الخريف الماضي، ضمن حملة هدفت للضغط على فنزويلا، أدت إلى تقليص الوجود البحري الأميركي في الشرق الأوسط، ما انعكس مباشرة على الخيارات العسكرية المرتبطة بـ إيران.
وأشار مسؤول في البحرية الأميركية إلى أن الولايات المتحدة تمتلك حاليًا 12 سفينة حربية تعمل في محيط البحر الكاريبي، مقابل 6 سفن فقط في الشرق الأوسط، في دلالة واضحة على إعادة ترتيب سلم الأولويات العسكرية للإدارة الأميركية.
غياب حاملات الطائرات ورسائل الردع
أوضحت الصحيفة أنه لا توجد حاليًا أي مجموعة قتالية لحاملة طائرات أميركية في الشرق الأوسط أو أوروبا، منذ قرار ترامب نقل مجموعة حاملة الطائرات “جيرالد فورد” من البحر المتوسط إلى البحر الكاريبي في أكتوبر الماضي، وهو تحول لافت مقارنة بفترات التوتر السابقة مع إيران.
ويعني هذا الغياب أن القدرات الجوية الأميركية في المنطقة باتت محدودة، إذ تعتمد فقط على الطائرات المنتشرة في قواعد دول أخرى، دون الاستفادة من الجناح الجوي المتكامل الذي توفره حاملات الطائرات.
أهمية الجناح الجوي في أي مواجهة مع إيران
يتضمن الجناح الجوي لحاملة الطائرات أكثر من 60 طائرة، تشمل مقاتلات ومروحيات وطائرات تشويش إلكتروني، إضافة إلى طائرات إنذار مبكر قادرة على كشف التهديدات عبر مسافات واسعة، بما في ذلك أنظمة الرادار، فضلًا عن قدرات متقدمة في الحرب المضادة للغواصات والألغام. غياب هذه القدرات يحدّ من سرعة وكثافة أي رد عسكري محتمل ضد إيران.
تطورات فنزويلا وتداعيات غير مباشرة
في 3 يناير الجاري، نفذت قوات أميركية غارة عسكرية مباغتة على العاصمة الفنزويلية كاراكاس، أسفرت عن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك لمواجهة اتهامات جنائية. هذا التطور، رغم أنه بعيد جغرافيًا، أسهم في استنزاف جزء من القدرات الأميركية التي كان يمكن توجيهها إلى مسار إيران.
البحرية الأميركية بين الجاهزية والمخاطر
قال قائد العمليات البحرية الأميركية، الأدميرال داريل كودل، إن القوات البحرية قادرة نظريًا على العمل في أي مكان في العالم، لكن الأمر في النهاية يرتبط بطبيعة التهديدات. محذرًا من أن نقص الموارد المتاحة للقادة الميدانيين قد يعرّض المهام للخطر ويزيد المخاطر على الأهداف والقوات.
رغم هذا التقييد، تؤكد وول ستريت جورنال أن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات لضرب إيران إذا قرر ترامب ذلك، عبر صواريخ “توماهوك” من مدمرات في الشرق الأوسط، أو باستخدام طائرات مقاتلة وقاذفات بعيدة المدى تنطلق من قواعد داخل الولايات المتحدة أو من أوروبا.
وأوضح الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، أن الضربات التي أُمرت ضد منشآت نووية إيرانية في يونيو الماضي نُفذت بالفعل من قواعد داخل الولايات المتحدة، مستندة إلى بنية تحتية واتفاقيات تتيح نقل القدرات العسكرية بسرعة وكفاءة.
ترامب بين التهديد والتراجع
رجحت الصحيفة أن تصريحات ترامب الأخيرة في البيت الأبيض، التي أشار فيها إلى تراجع عمليات القتل بحق المتظاهرين في إيران، تعكس ميلًا للتهدئة أو التراجع التكتيكي عن خيار التدخل العسكري، رغم تلويحه المتكرر بإمكانية “مساعدة” المتظاهرين.
وأكد ترامب أنه لا توجد مؤشرات على تنفيذ إعدامات واسعة في إيران، لكنه لم يغلق الباب أمام أي عمل عسكري، مكتفيًا بالقول: “سنراقب مجريات الأمور”، في وقت تحدث فيه عن تلقي “بيان إيجابي” من الجانب الإيراني.
ويرى خبراء عسكريون، بينهم اللواء المتقاعد ديفيد ديبتولا، أن الولايات المتحدة يمكنها نشر طائرات من قواعد في الشرق الأوسط أو أوروبا، مثل بريطانيا وإيطاليا وألمانيا، مؤكدين أن العامل الحاسم ليس موقع الإقلاع بل القدرات القتالية للطائرات، خصوصًا القاذفات بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى إيران خلال ساعات.
كما تشمل الخيارات غير العسكرية تعزيز الأنشطة الإلكترونية، واستخدام أسلحة سيبرانية، وتشديد العقوبات الاقتصادية، وهي أدوات لا تقل تأثيرًا في استراتيجية الضغط على إيران.
تأمين القوات الأميركية في الشرق الأوسط
تحذّر الصحيفة من أن غياب حاملات الطائرات يصعّب مهمة حماية القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، لافتة إلى أهمية المدمرات المزودة بنظام “إيجيس” القادر على اعتراض الصواريخ. ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أن الدفاع لا يزال ممكنًا عبر بطاريات باتريوت وأنظمة دفاع جوي لدى شركاء إقليميين.
وفي هذا السياق، افتتحت الولايات المتحدة وحدة تنسيق جديدة في قاعدة العديد بقطر لتعزيز التكامل الدفاعي الصاروخي مع الحلفاء، في خطوة تعكس استمرار القلق من أي تصعيد مع إيران.
وتشير تقارير وول ستريت جورنال إلى أن الضربات الجوية التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في يونيو الماضي، إضافة إلى هجمات إسرائيلية عام 2024، أضعفت بشكل كبير الدفاعات الجوية الإيرانية وألحقت أضرارًا جسيمة بمنشآت إنتاج الصواريخ، ما قلّص من قدرة طهران على استخدام القوة العسكرية أو تطوير برنامجها النووي.










